خامنئي يحذّر من إضعاف «الحرس» ويهاجم المفاوضات مع الأوروبيين

انتقادات المرشد الإيراني شملت ترمب وتمزيق صورة سليماني وشعار «لا غزة ولا لبنان»
السبت - 23 جمادى الأولى 1441 هـ - 18 يناير 2020 مـ Issue Number [15026]
لندن: عادل السالمي

بعد أسبوعين ملتهبين عاشتهما إيران، أنهى المرشد علي خامنئي، أمس، غياباً دام 8 سنوات من خطب الجمعة، شهدت البلاد خلالها أزمات فائقة على المستويين الداخلي والخارجي، وكان آخرها احتجاجات إيرانية غاضبة، طالبت بتنحي المرشد وتخطي الجمهورية الإسلامية، وذلك عقب اعتراف «الحرس الثوري» بإسقاط طائرة ركاب قتل فيها 176 شخصاً بعد لحظات من إطلاق صواريخ باليستية على قاعدتين، رداً على مقتل مسؤول العمليات الخارجية لقوات «الحرس» قاسم سليماني بضربة أميركية في بغداد.
ودعا خامنئي الإيرانيين في البداية إلى استخلاص العبر من «أسبوعين استثنائيين مليئين بالأحداث»، قبل أن يبدأ خطابه بالإشادة بقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني وإطلاق الصواريخ على قاعدتين أميركيتين في الأراضي العراقية، وألقى باللوم على الولايات المتحدة بسبب طريقة اغتيالها لسليماني، وانتقد الدول الأوروبية بأشد العبارات التي فعلت ورقة منصوصاً عليها في الاتفاق النووي، لفض النزاع مع طهران، ووصف مئات الإيرانيين المشاركين في احتجاجات الأسبوع الماضي بعد إسقاط الطائرة الأوكرانية بأنهم «أتباع وسائل الإعلام الأجنبية»، رافضاً تضعيف دور «الحرس الثوري» بعد الضربة، ومنح الأفضلية مرة أخرى لما يسميه «الصمود» على المفاوضات، التي ترك الباب مفتوحاً أمامها، لكن ليس مع الولايات المتحدة.
واتبع خامنئي طريقة تقليدية في شرح ما وقع بعد القيادي العسكري الأكثر نفوذاً بإيران. وجمع بين التفسير الآيديولوجي للدور الإيراني في المنطقة، والمصالح الداخلية. لكنه مع ذلك وصف طريقة سليماني الذي اعتبره «أقوى وأشهر قيادي عسكري» و«أقوى قائد مقاتل ضد الإرهابيين في المنطقة»، بـ«الفضيحة» و«الإرهاب».
وشبه خامنئي العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأميركية قرب مطار بغداد ضد سليماني، باغتيالات إسرائيلية استهدفت قادة فصائل فلسطينية. وذلك في رد ضمني على مقارنة مقتل سليماني وزعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي وزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.
وقال خامنئي: «حاولوا أن يتهموا جنرالنا بالإرهاب، لكن انقلب المشهد ضدهم والناس أحرقوا العلم الأميركي في كل مكان». وفي أبريل (نيسان) 2019، أدرجت الولايات المتحدة قوات {الحرس الثوري} على قائمة الإرهاب، وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، حينذاك إن الخطوة تساوي بين سليماني وزعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي. وقال: «بات من الآن فصاعداً مطلوباً كما البغدادي. فهو إرهابي ويداه ملطخة بدماء الأميركيين وكذلك الفيلق الذي يقوده، وأميركا مصممة على منع قتل أي أميركي على يد سليماني وفيلق القدس».
لكن خامنئي أمس رد الدين لدونالد ترمب عندما قال «قتلوا (الأميركيون) كثيرين في العراق وأفغانستان لكنهم لم يعترفوا بتنفيذ الاغتيالات، لكن الرئيس الأميركي أعلن بلسانه (مقتل سليماني)، الله يضرب هؤلاء على رقابهم لكي يعترفوا. لقد اعترفوا أنهم إرهابيون، هل توجد فضيحة أكبر من هذه؟».
وكان ترمب قبل أيام قال في تعليق على عملية استهداف سليماني، إنه تسبب في مقتل أو إعاقات جسدية لكثيرين في العراق وأفغانستان.
وأشاد خامنئي بالهجوم على القاعدتين الأميركيتين في الأراضي العراقية، قائلاً إنه «في غاية التدبير». وقال إنه «ضربة عسكرية مؤثرة، لكن ما هو مهم، ضربة للهيبة الأميركية». وعاد لوصف إطلاق الصواريخ بـ«الصفعة الصاروخية».
ومطلع الشهر الحالي، بدت إيران والولايات المتحدة على شفير مواجهة عسكرية مباشرة. وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إن هتافات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل» ارتفعت عدة مرات خلال الخطبة، من قبل حشود ملأت مصلى طهران.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية أمس، بأن مترو الأنفاق نقل المشاركين مجاناً من مختلف مناطق طهران. وقبل ذلك بيوم، أعلنت شركة آسيا للتأمين أنها تتحمل نفقات التأمين لكل المشاركين.
وتفاعل الإيرانيون على مدى الأيام الماضية مع تفاصيل تسربت عن العملية، ما أرسل مؤشرات عن تبادل رسائل بين واشنطن وطهران بشأن توقيت الهجوم وحجم العملية، بعد أيام من تهديد إيران بانتقام صعب رداً على الهجوم الأميركي.
وأشاد خامنئي بجنازة سليماني وعدّ المشاركين بجنازة سليماني بالمدن الإيرانية والعراقية بـ«الملايين». ودعا لاعتبار سليماني وقوات «فيلق القدس» المسؤولة عن تنفيذ العلميات الاستخباراتية والعسكرية خارج الحدود الإيرانية بأنه «مكتب»، وأطلق عليه تسمية «مقاتلون بلا حدود» على تلك القوات، وامتدح «سعة الصدر»، في إشارة إلى قتالها في عدة مناطق ساخنة. وعدّ تلك القوات عنصراً مهماً «للأمن والمصالح الإيرانية».
ومن هنا اتهم خامنئي الولايات المتحدة بأنها وراء ظهور تنظيم داعش، «ليس من أجل السيطرة على العراق فقط إنما الهدف الأساسي والنهائي هو إيران».
وتزامن ظهور تنظيم داعش في العراق وسوريا في 2014 مع مضي عام على عودة إيران والولايات المتحدة والقوى الكبرى. وكانت إيران تواجه شبح الحرب قبل قبولها المفاوضات النووية في 2013.
وتواجه إيران تهماً باستضافة عناصر من تنظيم «القاعدة» و«طالبان» والتورط في مرور مقاتلين من أفغانستان إلى العراق، بعد الإطاحة بحركة «طالبان».
وأفاد تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأسبوع الماضي، بأن زعيم القاعدة في العراق، أبو مصعب الزرقاوي كان من بين مقاتلين فروا من أفغانستان واحتجزتهم إيران وأطلقت سراحهم قبل الهجوم الأميركي على العراق في 2003.
وفي جزء آخر من تصريحاته، هاجم خامنئي من رددوا شعار «لا غزة ولا لبنان... روحي فداء لإيران». ووصفهم بالمخدوعين. وقال إنهم «لن يقدموا أرواحهم لإيران فحسب، بل إنهم ليسوا مستعدين للتضحية بالرفاهية ومصالحهم من أجل البلد». وحمل من رددوا الشعار مسؤولية تمزيق صورة سليماني في الاحتجاجات الأخيرة. وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إن خامنئي «لمح إلى أنّ المظاهرات المناهضة للنظام التي اندلعت عقب كارثة الطائرة الأوكرانية لا تمثّل مجمل الشعب الإيراني».
وحاول خامنئي أن يرمي عصفورين بسهم واحد، عندما قال إن الشعب الإيراني «يناصر المقاومة». وهو ما أثار تفاعلاً واسعاً من أنصاره الذين رددوا شعارات تندد بالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
وكانت إيران على مدى الشهور الماضية، شهدت سجالات بين فصيل الرئيس الإيراني حسن روحاني والأوساط المؤيدة لـ«الحرس الثوري» حول ثنائية التفاوض والمقاومة. وتبادلت الحكومة وخصومها تهماً بإثارة قطبين في البلاد.
وقال خامنئي في تلميح إلى المطالبين بالتفاوض، إن «الشعب يريد المقاومة ضد الأعداء»، وفي الوقت ذاته هاجم الإدارة الأميركية التي تخاطب الرأي العام الإيراني بشكل مباشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وعلى مدى الأسبوع الماضي، وجه ترمب وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية عدة رسائل باللغة الفارسية، وهو ما يشير إلى تقدم في استراتيجية الخارجية الأميركية التي تتبعها منذ عامين بالإصرار على مخاطبة الإيرانيين. وقال خامنئي تعليقاً على هذا الأمر: «هؤلاء المهرجون الأميركان يكذبون بكل وقاحة ويقولون إنهم إلى جانب إيران». وتساءل: «هل بعض المئات الذين أساءوا للجنرال (سليماني) ويتفاخرون بالإساءة، هل هم إيرانيون؟ أم الإيرانيون من نزلوا للشارع بالملايين في (جنازة سليماني)؟».
ورفض خامنئي «تضعيف الحرس الثوري» بسبب حادث الطائرة الأوكرانية، لكنه قال إنها «أحرقت قلوبنا بمعنى الكلمة»، وأعرب عن مخاوفه إزاء «محاولة البعض ترسيم القضية بطريقة تنسينا سليماني وأبو مهدي المهندس، بتحكم من وسائل الإعلام البريطانية». وحذر من تحول ملف الطائرة إلى «مستمسك لإضعاف الحرس الثوري والقوات المسلحة» وأضاف: «الأعداء فرحوا من الحادث بقدر ما تألمنا».
وأشاد خامنئي بـ«أسر لم تنخدع» ومن «وقفوا بوجه مؤامرة الأعداء واتخذوا موقفاً معارضاً للأعداء»، في إشارة إلى بعض أسر ضحايا الطائرة الأوكرانية. وطالب بمتابعة ملابسات إسقاط الطائرة ومنع تكرار أحداث مماثلة.
وانتقد خامنئي الخطوة الأوروبية بتفعيل آلية «فض النزاع» المنصوص عليها في الاتفاق النووي رداً على إعلان إيران عدم التزامها بأي قيود لتخصيب اليورانيوم، ما يعني عملياً نهاية اتفاق فيينا الذي وافقت طهران بموجبه على قيود على مسار التخصيب.
ووصف خامنئي فرنسا وبريطانيا وألمانيا بـ«الدول الحقيرة» و«أذيال أميركا»، متهماً إياها بـ«السعي لتركيع إيران». وقال: «أميركا أكبر منكم، تتقدمكم وسيدتكم لم تتمكن من تركيع إيران، أنتم أصغر من أن تتمكنوا من تركيع الشعب الإيراني».
وقال خامنئي: «هؤلاء الذين يتفاوضون، الأشخاص الذين يجلسون على طاولة المفاوضات، الرجال الجنتلمان، إنهم ذات الإرهابيين في مطار بغداد، لا يختلفون، يبدلون أزياءهم ويغطون أيديهم المصنوعة من الصلب بقفازة مخملية»، معتبراً المفاوضات «مليئة بالخداع والاحتيال»، وقال إنها رددت «تفاهات» بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي.
في شأن متصل، دعا خامنئي الإيرانيين إلى جعل الانتخابات البرلمانية المقررة في 21 فبراير (شباط) المقبل، مناسبة لـ«إظهار القوة» الإيرانية. وبذلك لم يبتعد كثيراً عن نظرته التقليدية لمناسبات مثل الاستحقاقات الانتخابية نظراً لربطها بـ«مشروعية النظام» في وقت يطالب فيه الإيرانيون باستفتاء عام لتقرير مصير «الجمهورية الإسلامية». وجدد اتهاماته للأعداء، وقال: «يحاولون منع مشاركة الإيرانيين في الانتخابات عبر أصناف الحيل»، مشيراً إلى أنه سيصدر توصيات بهذا الصدد.
وفي موقف مماثل، قال قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي على هامش خطاب خامنئي: «نحن نحتاج إلى الوحدة... ألا نقف عند الماضي وأن نواصل طريق المقاومة بأكمله».
إلى ذلك، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن «الإيرانيين يصرون أكثر من أي وقت مضى على المقاومة»، لكنه عزا ذلك إلى «ضغوط قصوى يمارسها الأعداء على الشعب». وقال: «نحتاج اليوم إلى الوحدة والانسجام».

إقرأ أيضاً ...