غير المستحَب قولاً... والمبغوض فعلاً

غير المستحَب قولاً... والمبغوض فعلاً

الثلاثاء - 19 جمادى الأولى 1441 هـ - 14 يناير 2020 مـ رقم العدد [15022]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

ما زال الناس بأكثرية عربية - إقليمية – دولية، غير مُسقطين لاحتمال وقوع إحدى الضربتين المرجأتين: ضربة يأمر بها الرئيس ترمب وتكون في مستوى تهديداته، إلا إذا كان مسلسل العقوبات قد حقق الغرض، وضربة من جانب النظام الإيراني قد يتردد في توجيهها من إحدى أذرعه التي يبتكر صيغ المذهبية وليست الوطنية أو المجتمعية كتسمية لها، أحياناً بالأسماء وأحياناً برموز رايات هذه الأذرع المستنفَرة؛ حيث هي في لبنان وسوريا والعراق وغزة واليمن، ومعها «الفاطميون» في أفغانستان، و«الزينبيون» في باكستان. وهذه تنتظر أن تبلغ كلمة السر لتنشط، بغية تنفيذ ثأر لم يبلغ مداه، رداً على اغتيال اللواء قاسم سليماني الذي أبكى رحيله المرشد علي خامنئي، وتضمنت بعض مراثي روافد «حرسه الثوري» عبارات تجاوزت ما هو غير المستحب قولاً، وغير المسؤول؛ بل والمبغوض فعلاً.
ما نقصده بغير المستحَب كانت تلك العبارة التي أوردها الأمين العام «حزب الله»، حسن نصر الله، في مرثاته التهديدية، في سياق خطاب مبثوث عبْر بعض الفضائيات، يوم الأحد 5 يناير (كانون الثاني) 2020، وهي: «لا يوجد أي شخص في موازاة قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس»، فهذا التوصيف لم يكن من المستحبات في قاموس التخاطب بين الزعامات عموماً.
ولو أن الأمر اقتصر على اثنتين منها؛ بحيث لا يشمل صفته الدينية، عباءة وعمامة وثقافة، لكان ربما يبدو كلامه، وتحديداً العبارة غير المستحبة التي صدرت عنه بكثير من الـحماسة، من نوع التوصيفات والعبارات الشتائمية التي يتبادلها أهل السياسة، ويبرع فيها هؤلاء على «تويتراتهم» أو في مناسبة يحمل الاكتظاظ الجماهيري المعبأ صاحب الخطاب على خروج غير متأنٍّ على الأصول. وكثيراً ما حدث ذلك؛ خصوصاً عندما لا تكون الخُطب مكتوبة، وفي هذه الحال تغلُب المشاعر والتهليل الجماهيري على التأني. وتختزن الذاكرة الكثير لزعامات وقيادات، بعضها بثورية نصر الله، فبنتيجة العثرات حدث نزوع نحو الرد بما هو أشد قساوة من الكلام، وكان من الممكن تفاديه لو أن العقل غلب المنطق، وبقي التخاطب دون خط الإهانة كالتي أوردها نصر الله في تأبينيته لمرجعيته الثورية.
قد يفترض مفترضون أن هذه النبرة الإهانية ستمر، وأن ترمب سينظر إليها بروح رياضية، ويعتبرها مثل بعض تغريداته التي أحدثت جراحاً معنوية لدى البعض من بني العم سام بجناحهم الديمقراطي، وهي تغريدات لو صدرت قولاً في خطاب جماهيري أو من على منبر في منتدى أو مناسبة وطنية، لكانت قد بدت أكثر «سلاطة» من كونها وردت في كلمات عبْر «تويتر»، ولما كان لها سوى رد الفعل الذي يصدر عن هازئين.
لكن الأمر مختلف هنا. فما يحدث بين سياسيي البلد الواحد لا يستوقف المُساء إليهم، مثل الذي يأتي من طرف خارجي؛ وخصوصاً في صيغة توصيفات كتلك التي صدرت عن نصر الله، وتندرج كما إحراق العَلَم الأميركي في مناسبات احتجاجية خارجية، ضمن غير المستحب قولاً والمبغوض فعلاً. بل إن الإهانة الكلامية وكذلك إحراق العَلَم يندرجان عموماً تحت بند الإهانة الوطنية، ويتسبب كل منهما في نوع من الانفعال القابل للانفجار، واتخاذ خطوة ولو بعد حين تصل إلى الدرجة الأعلى في سُلَّم الانتقام.
وهنا نستحضر من باب التأكيد على ذلك تلك الإهانة المماثلة من حيث المضمون وليس من حيث الشكل، التي صدرت عن الرئيس صدَّام حسين في حق الرئيس الأسبق جورج بوش الأب، ذلك أن الرئيس الراحل إعداماً شنقاً بفعل عراقي - أميركي مشترَك، رأى في لحظة معاناة من الحصار المفروض عليه، توجيه لكمة فنية إلى الرئيس الأميركي، كون أي لكمة عدا تلك ليست متيسرة، أو أنه لا يريدها، مكتفياً بالرمزية التي جاءت عبارة عن إعداد رسم سيراميكي - موزاييكي لوجه الرئيس بوش، ووضْع هذا العمل الفني الذي طالما يبرع فنانون عراقيون تشكيليون وخزَّافون ومثَّالون في إنجاز مثله بأتقن نتيجة، على عتبة باب الدخول إلى بهو «فندق الرشيد» الأكثر شهرة بين فنادق العاصمة العراقية، والذي يحل فيه المسؤولون العرب والأجانب عند زيارتهم العراق.
هذه الفكرة غير المستحبة من حيث المبدأ، وخارج فضاء أصول التخاطب والخصومة بين الحكام، كان الغرض منها أن يدوس كل من يدخل «فندق الرشيد» مسؤولاً كان أو مواطناً عادياً أو صحافياً أجنبياً على الرسم السيراميكي الموزاييكي، ولا مفر من ذلك؛ لأن المدخل رئيسي، وأن المدخل الآخر الخالي من هذا الرسم جانبي، وهو لمن يريد الذهاب إلى حمام السباحة أو مزاولة رياضة «لعبة التنس» والتمشي في حديقة الفندق.
انقضى عهد بوش الأب، وبقي الرسم السيراميكي الاستفزازي على حاله وفي مكانه «الاستراتيجي». لا الرئيس صدَّام يزيله، ولا رئيسا أميركا بعد بوش الأب يطلبان الإزالة كي لا يبقى الدوس عليه، وأحياناً أكثر من مرة في اليوم الواحد. ففي عهد الرئيس بيل كلينتون لم تتم إزالة هذا «العمل الفني المقيت». كما بقي بعدما انتهت الولاية الرئاسية وحل بوش الابن محل كلينتون، ومن دون الإزالة تلك. وخلال العهود الرئاسية الثلاثة تكاثر زوار العراق، وعشرات المراسلين الأميركان والأجانب الذين ازدادت رحلاتهم إلى بغداد بسبب أجواء الأزمة المرشحة إلى حرب، وهذه حدثت لاحقاً بعد الغزوة الصدَّامية للكويت، ومفاعيل هذا العمل المكروه. ورغم المشاعر الناشئة في نفس كل من هؤلاء، فإنه كان يدخل الفندق دائساً الرسم ويخرج دائساً. ومن هؤلاء أحمد بن بيلا، وهانز بليكس رئيس فريق المفتشين الدوليين، وعمرو موسى كأمين عام للجامعة العربية، وعصمت عبد المجيد الأمين العام السابق للجامعة، وعلي عثمان طه النائب الأول للرئيس (المعزول) عمر البشير، ورمزي كلارك وزير العدل الأميركي السابق، ومحمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
شخصياً، كنت واحداً من زوار بغداد وأقمت في الفندق إياه. وحيث إن علاقة على درجة من التميز ربطتني بالرئيس صدَّام، بفعل حوارات على مراحل معه، ولم يتبرم من أسئلة طرحتها عليه، فإنني في أحد اللقاءات لاحظتُ في رده على سؤالي في شأن هذا الرسم المهين، رغبة منه لإزالة هذه «الندبة»؛ لكنه على ما استنتجتُ من رده على سؤال من جانبي في هذا الشأن، كان يتوقع طلباً بالإزالة من إدارة الرئيس كلينتون، ثم من إدارة الرئيس بوش الابن. لكن الأول «الديمقراطي» كان على ما يبدو شامتاً في سلفه جورج بوش الأب «الجمهوري»، وغير معترض ضمناً على ما فعله سيراميكياً به صدَّام حسين، وأن «الجمهوري» جورج بوش الابن لم يقم بواجب إزالة الندبة؛ لأنه في صدد إنجاز النصف المتبقي من الضربة الماحقة للنظام الصدَّامي، بعدما أنجز والده النصف الأول. إنما ليس واضحاً ما إذا كان قد فعل ذلك ثأراً لكرامة الوالد، أو لأنه متطلع إلى أن يقال عنه إنه الابن «الشبل» من ذاك الأب «الأسد».
وما حدث وما زال للعراق، وفي طول بلاد الرافدين وعرضها، وكذلك في ديار الأمتين، يعكس حقيقة أن انعدام الرأي والتشاور يتسبب في عدم ترك اللسان يطلق للمخيلة من أساليب الكيد ما هو مبغوض فعلاً، مثل «استعذاب» إحراق العَلَم الأميركي، أو على نحو ما فعله صدَّام حسين مع السيراميكية البوشية قبل أربعة عقود، وما هو غير مستحَب قولاً، وعلى نحو عبارة نصر الله. وفي الحالتين يكون «المستهدَف» جمهورياً، ويكون الحذاء إحدى مفردات عبارة التخاطب. معاذ الله من هكذا سلوك في أدبيات السياسة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة