واقعية التعامل مع الخطر الإيراني

واقعية التعامل مع الخطر الإيراني

الأحد - 16 جمادى الأولى 1441 هـ - 12 يناير 2020 مـ رقم العدد [15020]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

انتهت المعارك الكلامية بين طهران وواشنطن بتهدئة مؤقتة بإقناع النفس - والأتباع الآيديولوجيين - بـ«الانتصار» تكتيكياً (أي حفظ ماء الوجه)، لكن الخطر الاستراتيجي الذي تمثله المخططات الإيرانية، إقليمياً ودولياً، لا يزال قائماً على المدى الطويل.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعكس تحذيرات اليسار الليبرالي العالمي، لم يشعل حرباً، بل تمسك بأعصابه ليلة الصواريخ الإيرانية، مكتفياً بنجاحه في توجيه ضربة موجعة لإيران بتصفية مهندس أعمالها الإرهابية، قاسم سليماني، موجهاً رسالة قوية بأن للإرهاب عقاباً.
احتفظ النظام الإيراني بماء الوجه أمام الجماهير التي حشدها بالتأكيد بانتقامهم لدم سليماني. إيران أخبرت رئيس الوزراء العراقي مسبقاً بضربة الصواريخ ضد قاعدتين في بلاده تستضيفان قوات التحالف. ومصادر مخابراتية، إقليمية وغربية، أفضت لكاتب السطور بأن الأميركيين تأكدوا أن الصواريخ الإيرانية، بالمصري، «فِشِنك»؛ أي الهدف فرقعة دون خسائر في الأرواح. فخامنئي يعي أن ترمب ليس بباراك أوباما، وإسالة دم أميركي تعني مواجهة تنجم عن خسائر أكثر وأكبر مما تتحمله إيران.
مديرو بروباغندا الأنظمة الشمولية يوظفون السيكولوجيا في غسل المخ الجماعي: إثارة حالة آيديولوجية عاطفية تصل إلى حد الهستيريا وفقدان الجماهير لوعيها، فتتحرك كتلة مثل أمواج المد والجزر، بالجاذبية من بعيد، وينسحق الفرد دهساً تحت الأقدام في «جنازة» المظاهرة الهستيرية. السيكولوجية الجماعية تشيطن العالم الخارجي لدى الرأي العام، فلا يثق بأي مصدر للأخبار سوى القوة المحركة للموجة؛ أي النظام الحاكم.
بعد التهليل للضربات الصاروخية، أعلنت وكالة أنباء مهر (Mehr news) التابعة للجمهورية الإسلامية أن الصواريخ أسفرت عن مقتل 80 أميركياً. بروباغندا تذكرنا بزعماء كانوا يتلقون «العلقة» وراء الأخرى، بينما تعلن إذاعاتهم حرق الهابطين بالمظلات، والقتال من بيت إلى بيت، ودحر «العلوج» في معارك وهمية، بينما يهتف الرأي العام، الذي جلد نفسه في هستيريا جماعية، بتحقيق الانتقام لمقتل بطلهم سليماني. الرئيس ترمب أخذ الإيرانيين «على قد عقلهم»؛ بل أبدى التسامح متفهماً «الخطأ» الذي أوقعهم في مشكلة جديدة غير محسوبة مع أوكرانيا وكندا وحركة الطيران الدولي. فمن المؤكد أن الطائرة الأوكرانية سقطت بصاروخ إيراني أطلق خطأ، ربما ظناً من الدفاع الجوي أنها طائرة مهاجمة وقت إطلاق الصواريخ «الفشنك».
إيران بدورها تظهر إشارات التهدئة، مرحلياً على الأقل. فقد تبادل الرئيس الإيراني روحاني التباحث في مكالمة تليفونية مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وما تضمنه «البريفينغ» المغلق معنا في داوننغ ستريت، بعد المكالمة، يبعث على التفاؤل بنية إيران، المؤقتة، تخفيض حدة التوتر. كما لم يهاجم المعلقون الإيرانيون بريطانيا، أو يناقضوا معلقين يقترحون وساطة لندن بين إيران وإدارة ترمب.
لكن تراجع إيران لن يؤدي إلى استقرار المنطقة، أو تخليها عن إثارة المتاعب، وأولها سيكون بإثارة رأي عام في العراق، وهجمات ميليشيات يحركون خيوطها لإخراج القوات الأميركية. فوجودها عقبة أمام مخطط كان يعمل له قاسم سليماني لفرض هيمنة إيرانية على ممر أرضي عريض يمتد من خيبر حتى البحر المتوسط، عبر العراق وسوريا إلى لبنان، بمساعدة «حزب الله» اللبناني.
ما عرف بـ«الغرب»، كقوة عالمية مهيمنة طوال القرن العشرين، أوشك نفوذه على الانتهاء من المنطقة.
ما بقي اليوم من الغرب الديمقراطي (بريطانيا وبعض بلدان أوروبا، وشمال أميركا وأستراليا) فشلت كل مشاريعه منذ الخمسينات في التدخل لدعم القوى الديمقراطية، وإعادة الأنظمة البرلمانية المنتخبة للحكم. والأسباب كثيرة معقدة لا يتسع المجال لعرضها؛ تفشل المشاريع والتحركات الليبرالية الديمقراطية التي ترفضها الأغلبيات من شعوب المنطقة، وليس النخب الحاكمة كما يزعم الليبراليون الغربيون.
القوى التي ستحل محل «الغرب» في المنطقة، خلال العقدين المقبلين، غالباً ستكون الصين والهند وروسيا، في نسخة جديدة من «القوى الأوروبية» في القرن التاسع عشر، عبر تحالفات أو اتفاقيات تقسيم نفوذ بينها (وتركيا تحاول أن يكون لها قطعة من الكعكة التي لم تخبز بعد)، وإخراج أميركا من المنطقة، ومد النفوذ إلى المتوسط شمالاً وباب المندب جنوباً، يدعم من موقف إيران «الوكيل» الإقليمي في التعامل مع القوي الجديدة.
صعوبة التعامل مع الخطورة التي تمثلها إيران اليوم يعود للتناقض بين أسلوبي تفكير في العالم: اليسار الليبرالي الغربي المسيطر على وسائل التعبير يقدم إيران كضحية لا معتد. ويدعم هذا التفكير مصالح مالية وتجارية تريد رفع الحصار الاقتصادي عن إيران للاستثمار فيها.
نقيضهم، الواقعيون، وهم المحافظون في بريطانيا وأستراليا، والجمهوريون الأميركيون بزعامة الرئيس ترمب. كندا، حتى أيام قليلة، كانت مع اليسار الليبرالي، وربما يؤدي حادث الطائرة، ورفض إيران التعاون وتسليم الصندوق الأسود ودفن الأدلة، إلى تغيير موقفها.
التفكير الأول ما زال متمسكاً بالاتفاق النووي الذي «ضحك» فيه الإيرانيون، بمساعدة باراك أوباما، على الغرب. الواقعيون يتساءلون: لماذا لم يكن العرب طرفاً في الاتفاق، ويريدون إضافة بنود سياسية للاتفاق تحد من توسيع إيران لهيمنتها ودعمها للإرهاب والجماعات المتطرفة؟ تبرير هؤلاء أن توصل إيران للقدرة على تركيب القنبلة النووية (وليس امتلاكها) لا يقصد به تهديد إسرائيل القادرة على الردع النووي، بل ابتزاز بلدان الخليج من أجل الهيمنة الإقليمية.
البارونة كاثرين أشتون، ممثلة الاتحاد الأوروبي في أثناء المفاوضات مع إيران، كانت متمسكة بطريقة تفكير المجموعة الأولى في مقابلة براديو «بي بي سي» صباح الجمعة؛ أصرت على الفصل بين البرنامج النووي الإيراني والاستراتيجية السياسة بعيدة المدى التي تشمل النشاطات الخارجية الإيرانية لـ«الحرس الثوري» والبرنامج الذي تولاه سليماني.
هذا التفكير، يكرر، ولأربعين عاماً، تقسيم الطبقة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية إلى متشددين ومعتدلين. ومثل أوباما، يحاولون استرضاء «المعتدلين»، بدعوى دعمهم لدفع المتشددين لتغيير السياسة الخارجية، ويحذرون من أن السياسة الصارمة للرئيس ترمب ستؤدي إلى تغليب المتشددين على المعتدلين.
والتحليل المبني على فرضية خاطئة سيؤدي إلى نتائج كارثية.
فالعقيدة التأسيسية (the foundation myth) للجمهورية الإسلامية هي معاداة «الشيطان الأكبر»: أميركا (ويصنف الخمينيون البلاد المعارضة لنفوذهم ضمن المعسكر الأميركي)، و«الشيطان الأصغر»: إسرائيل (وتصنف البلدان الرافضة للحرب مع إسرائيل ضمن هذا المعسكر). ومنذ 1979، تنتهي صلاة الجمعة في مساجد إيران بهتاف: «الموت لأميركا، والموت لإسرائيل»، ولا يمكن أن يوجد داخل الطغمة الحاكمة «معتدلون» يهددون وجود النظام نفسه بتقديم تنازلات في عقيدته التأسيسية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة