العرب لا يستحقون «جائزة نوبل»

العرب لا يستحقون «جائزة نوبل»

الأحد - 18 ذو الحجة 1435 هـ - 12 أكتوبر 2014 مـ رقم العدد [13102]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"

غضب بعض المثقفين العرب على لجنة جائزة نوبل للآداب، بعد اختيارها للروائي الفرنسي باتريك موديانو، يوحي وكأنما كل الظروف كانت مواتية للشاعر أدونيس كي ينالها، ومع ذلك حُرم منها وأُبعد.
أحقا، في مثل هذه الظروف التي ينقسم فيها العرب على أنفسهم، ويتشظون دويلات، ويتناحرون قبائل وطوائف، يمكن أن يُكلل شاعر من قبل «نوبل»، هو نفسه موضع خلاف حاد بين أهل لغته، إن في إبداعه أو مواقفه السياسية أو آرائه الدينية؟ عتاب ولوم وهجوم بالجملة على جائزة غربية فضّلت، منذ ولادتها، أبناء جلدتها، وشملت بفضائلها، في أحيان قليلة، أبناء العوالم الأخرى، من باب الاستثناءات التي تثبت تلك القاعدة الذهبية التي تقول: «إن أهل الدار أولى بالتكريم من غيرهم».
لم تُمنح نوبل للآداب خلال 103 سنوات من عمرها إلا لصينيين اثنين فقط، ومع ذلك فإن أمة المليار و300 ألف مواطن لا تسأل تكريما لأدبها، ولا تقذف حارميها بالتهم الشنعاء. العزة الصينية تأبى الذل على أعتاب أكاديمية سويدية، استجداء للاعتراف بأدبائها، فهذا مما لا يليق بالقامات الكبار، بل يدلل على دونية تزداد إيغالا في الروح، وتأكيدا على أن العرب لا يزالون يعتبرون أن قيمتهم تشرق من الغرب، لا من ذواتهم المعذبة.
الغيرة على أدونيس والأدب العربي من ورائه، لا تبرر الهجوم على الفائز باتريك موديانو الذي استحقها بجدارة، وإن لم يكن الأفضل والأروع، لكنه بالتأكيد من أولئك الذين منحوا الرواية عمرهم، وعاشوا في نسكها وكهنوتها. بدا الرجل راهبا خارجا من مغارة الكتابة بعد فوزه، وهو يواجه عالم الكاميرات الذي لم يعتده، ولم يتوقعه أصلا.
لم يتوقف موديانو عن تكرار تلك الجمل التي أبدى من خلالها دهشته بالخبر المباغت: «أنا متأثر جدا. لم أتوقع فوزي أبدا، أشعر بكثير، بكثير جدا من الانفعال». وبصوته المتهدج، وطلته الخفرة، وجمله المتقطعة المرتبكة التي نادرا ما تكتمل، بل تزداد تلعثما وتعثرا، حين يتلبسه الخجل، كرر موديانو رغبته الحارة في أن يعرف لماذا اختارته لجنة جائزة نوبل، ولأي سبب مُنح هذا الشرف؟ الرجل الذي لم يجب عن المكالمة الهاتفية للأمين العام للجائزة، تلقى خبر فوزه من ابنته وهو يتسكع في أحد شوارع العاصمة الفرنسية، قرب حديقة «لوكسمبورغ»، وكأنه أحد أبطال رواياته الكثيرين، الذين يقضون وقتهم، يتجولون في باريس، بحثا عن شيء ما ضيعته السنين.
لم يأخذ موديانو على محمل الجد ترشيحه، لم يغير برنامجه اليومي المعتاد ليترقب النتائج ويتابع الأخبار، ولم يتأهب ليبقى على صلة بهاتفه، لم يروّج لنفسه في الصالونات والمؤتمرات، وعلى صفحات المجلات، ويكثر من المقابلات والإطلالات الإعلامية ليقنع الأكاديمية السويدية بأن اختياره غنيمة لها. كل ما فعله موديانو أنه انزوى منذ 50 عاما، وانكب ليكتب ما يقارب 30 كتابا، لكنه يراها اليوم وكأنها «كتاب واحد يستريح عند كل مفصل ليعود ويستجمع قواه ويستكمله». ثمة ما هو مذهل في تواضع هذا الرجل وإدمانه على العمل، وإحساسه العميق بأن غاية ما يمكنه إنجازه هو أن يكتب بالطريقة التي اعتادها، دون أن ينتظر شكرا من أحد.
أصغي إلى تسجيلات موديانو الذي لا يملك ناصية الكلام، ولا يستطيع إتمام جملة مفيدة، ويُخيّل إليّ أنه لو كان كاتبا عربيا لرُجم بالسخريات والنكات. لكن الشهير برنارد بيفو الذي استضافه أول مرة في برنامجه التلفزيوني «أبوستروف» عام 1968، وساهم في اكتشافه بعد صدور روايته الأولى «ساحة النجمة» يعلق على هذا التعثر الكلامي لموديانو مستدركا: «نعم، هو كذلك، لكن في نصه سحر».
لعل مقاييس نوبل بكل تسييسها، وانحيازها لمحيطها وثقافتها، هي أرحم على الأدب من الحسابات الثقافية العربية الاستبدادية، التي تمعن في البغضاء والفرز والإقصاء. لن أقول إن أدونيس كان أولى بنوبل من موديانو، فهذا لا معنى له بالمقارنة بين الشعر والنثر وأديبين لكل منهما أجواؤه وأخيلته ولغته بأحمالها وأجنحتها. لكن موديانو الذي كرّس قلمه لتدوين حياة الباريسيين خلال الحرب العالمية الثانية، تحت وطأة الاحتلال الألماني النازي، محاولا أن يعيش في جلدهم، ويتنفس على طريقتهم، صار، في نهاية المطاف، صوت شعبه، وضمير مواطنيه، وراصد قلقهم ومحنتهم وكارثتهم، التي يناضلون، بكل ما أوتوا من ذكاء وحنكة، منذ 69 عاما (أي من يوم وُلد موديانو) كي لا تتكرر. يذكّر هذا الكاتب في كل رواياته، ومن دون كلل، بوحش كاسر اسمه «الحرب»، وبكارثية العنف والنزاعات وما تجلبه من تمزق، كان هو شخصيا وعائليا أحد ضحاياها. إنه جنون يجمع الفرنسيون، بل والأوروبيون كلهم، على حتمية إبعاد شبحه عنهم. هل ثمة أديب عربي واحد، اليوم، نشعر بأن أدبه هو حنجرتنا الجماعية التي تتكلم بصوتنا، وتصرخ بمخاوفنا؟ هل بلغنا نضجا يسمح لنا بأن نبلور شعورا وطنيا نبيلا لا تشوبه الاتهامات بالخيانات والارتهانات؟ بأي حق نحاسب «نوبل» على عدم تكريم أدونيس، بينما صفحات التواصل الاجتماعي مليئة بالهزء والشماتة بشاعر كبير بالتأكيد، لكن رأيه السياسي، أو الديني، لا يعجب هذا أو ذاك. يا أمة ملايين الجوعى والمشردين في البراري، لا يليق بأصحاب هزائم المائة عام كي ينتفضوا على انكسارهم سوى أن يعملوا بصدق وسماحة وتواضع، دون أن يسكنهم وسواس أن يرى الغرب أعمالهم.
سُئل موديانو، إن كانت حياته ستتغير بعد فوزه بمليون دولار، فأجاب والحزن بادٍ على سحنته: «ربما، لكن في نهاية المطاف، سأعود لأجد نفسي مضطرا للجلوس مع قلق الكتابة وعذاب جوجلة الأفكار، وخلق الشخصيات».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة