انتفاضة 17 تشرين الأول

انتفاضة 17 تشرين الأول

الخميس - 25 صفر 1441 هـ - 24 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14940]
حنا صالح
كاتب لبناني
أطلق على التحرك الشعبي في لبنان اسم انتفاضة، مع القناعة أن لبنان يعيش ثورة كاملة، وربما هو الحنين إلى استخدام كلمة انتفاضة بوصفها تحية لـ«انتفاضة الاستقلال 2005» المغدورة، يوم خافت تلك «القيادات» من شعبها فأهرقت أحلامه بالعدالة والشفافية والدولة المدنية، على مذبح المصالح الخاصة، وذهبت بعيداً فأحلت بدعة نظام المحاصصة الطائفي مكان الدستور وكرست الاستنسابية في تطبيق القوانين واستتبعت السلطة القضائية!
من الآخر، ندرة من اللبنانيين من لم يطرح التساؤل: لماذا الشعب اللبناني مستكين ومستسلم وتابع؟ فيما تناوب بعض «أصحاب الرأي» على دعوة الشباب إلى مواصلة الهجرة لأن الوضع ميؤوس منه. وفجأة، وبخروج عن المألوف، انفجر الغضب الحقيقي، وخرج المخزون النبيل من أعماق القلوب، وبدأ العالم يتعرف على اللبنانيين من جديد. بدأ كل ذلك في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، عندما فاضت الكأس، بالقرار الغبي المهم جدا - المتمثل بضريبة الـ6 دولارات شهرياً على اتصالات تطبيق «واتساب» المجانية - فانفجرت انتفاضة جمعت الوطن المشلّع قبضة واحدة، ليبدأ لبنان آخر مرحلته التأسيسية الجديدة.. وسيبلور الشارع تباعاً الأهداف، استناداً إلى الأبعاد العميقة لأهمية المشاركة الشبابية والشعبية يوم الـ20 من أكتوبر التي جمعت نحو 60 في المائة من اللبنانيين في الوطن وفي أكثر من 70 بلداً خلف البحار.
في أول 72 ساعة خسر التحالف السلطوي الطائفي الكثير، عندما جمع لبنانيون أجزاء وطنهم المتنافرة متجاوزين الترهيب والترغيب والتجييش الطائفي وقرروا مصالحة حقيقية، لا كرمى لعيون زعيم أو تلبية لرغبة حزب ما، فكُسرت للمرة الأولى كسر الاستقطابات الطائفية التي تكرست بعد العام 2005، وانطلق اللبنانيون لأول مرة في خطى حثيثة لطي صفحة الحرب الأهلية، وغاب عن ساحات الاعتصام وميادينه سؤال التذكي: «من أي منطقة أنت؟» بقصد معرفة هوية الآخر الطائفية! ولعله من الأهمية بمكان أن يلتقي في قلب بيروت فجر كل صباح مئات الزهرات واليافعين يرفعون النفايات ويعيدون البهاء إلى مدينتهم كي تستقبل الحشود الآتية، تأكيداً على أن التغيير طال كل فرد، وبات بالإمكان التأريخ: ما بعد 17 تشرين الأول.
إنها الثورة في أروع تجلياتها تُنجز وتُستكمل في الساحات ساعة تلو أخرى، تحققها شرائح تمثل كل اللبنانيين، وفي المقدمة منهم الفتيات والأمهات والأطفال والفتيان الذين حضنوا العلم اللبناني بقوة، العلم الذي لن تجاوره أي راية أياً كانت. إنها الثورة، لأنه بعدما دهمت مواكب الدراجات النارية، التي نقلت جلاوزة بعض القوى الطائفية للتخريب والتشويه وإحداث الرعب في صفوف الناس، جاء الرد في اليوم التالي أعداداً مضاعفة، لتوجه تلك الأعداد أبلغ الرسائل عن الانفكاك عن أَسْر السياسيين وزعماء الطوائف، الذين ليس من عادتهم الإصغاء للناس، فخابت نداءاتهم للخروج من الشارع، وقوبلت خطب التعالي والتحدي والوعيد والاحتقار بإدارة الظهر، الأمر الذي كشف عجز أصحابها عن التقاط المعنى العميق لما يجري في البلد من زخم شعبي لمواطنين جاءوا من القهر والعوز والجوع الزاحف والبطالة المريعة والأفق المسدود.
إنها الثورة، لأن الناس العاديين، الجيران الذين اكتشف بعضهم بعضاً، في أكبر تحرك شعبي تلقائي - وهذا أبرز مصادر قوته - قالوا هذا بلدنا سنستعيده وستتحمل المسؤولية الطبقة السياسية التي جوّعت وأفقرت وأوصلت البلد إلى التلاشي. وظهرت الحقيقة، طرابلس هي الفيحاء والصبر وليست قندهار، والجنوب يعشق الفرح، وبعلبك مدينة الشمس والحب وليس المخدرات، وبيروت البهية بين المدن هي البوصلة التي من غير المسموح تجاهل صوتها، فقوبل الحديث عن الأوراق الإصلاحية و«الوعد» بشطب كل الضرائب بموجات عالية من السخرية لأن السؤال الطبيعي هو: كيف هبطت هذه الأوراق، وأين كانت تلك الوصفات ومن حجزها، ولتؤكد الحالة الشعبية التي أصابت التحالف الحاكم بجروحٍ عميقة أن لا ثقة مطلقاً بتركيبة سلطوية افتقرت لإمكانية استخلاص العبر، وليتقدم المطلب السياسي، ألا وهو التغيير الشامل تتولاه حكومة أكفاء تنظم انتخابات مبكرة استناداً إلى قانون يضمن عدالة التمثيل لإعادة تكوين السلطة وتقصير الولاية.
وبعيداً عن أي فذلكة يطرح السؤال نفسه؛ أي طرح إصلاحي هو الذي تدور السلطة حوله، وكيف سينجح والمساكنة بين الدولة والدويلة أدت إلى تغول الثانية على الأولى، وأن التسوية السياسية في العام 2016 التي سلمت قرار البلد إلى «حزب الله» ومن خلفه إيران هي ما سرّع عزل البلد وحدوث الانهيار المريع، وهذا إنجاز حصري للسلطة! لذلك يتقدم المطلب السياسي بضرورة رحيل الحكومة، لأن الشارع المهدد الآن بشكلٍ خطير من طهران والضاحية وبعض الجهات، هو ممثل اللبنانيين الحقيقي، وقد استرد واقعياً الوكالة من المجلس النيابي، المنتخب وفق قانون مذهبي يناقض الدستور والطائف ويصادمهما. وبالعمق، تعرف السلطة السياسية أن بداية الخروج من الأزمة يكمن في التغيير، وهو الأمر الذي رفضه الأمين العام لـ«حزب الله» الممسك بقرار الحكومة وبكل مفاصل الدولة، إذ هدد اللبنانيين، أبناء البلد وأهله، بالاجتياح لتغيير المشهد الذي أربكه وأزعجه؛ خصوصاً أنه بعد خطبته العصماء دفاعاً عن العهد الذي صنّعه، استعاد الشارع الشعار الأثير: «كلن يعني كلن» مع إضافة حسن نصر الله واحد منن!
انطلقت مسيرة التغيير والأرجح ستكون طويلة وشاقة، لكن أياً كانت النتائج السياسية المباشرة، سيكون من الصعب تجاهل الاعتراض المدوي على استحواذ أهل السلطة على الدولة، وها هو ضغط الشارع يؤتي ثماره بتصدع التركيبة السياسية وبروز تناقضاتها وخلافاتها، وهذا أمر سيتواصل وستتتالى تداعياته. وتحت وطأة الشارع يغادر «حزب القوات» الحكومة، وفي السياسة هذا أمر مفهوم، لكن الناس يستحيل أن تتجاهل دور الدكتور سمير جعجع وحزبه في التسوية، ولاحقاً، إلى جانب «حزب الله» في وضع قانون الانتخاب الذي زوّر تمثيل اللبنانيين. والشارع الذي تعرف السلطة جيداً أنها لا تستطيع تحميله وزر الشلل، أظهر بداية نفس طويل ويتعامل مع الوضع على أنه غير معني بـ«الحلول» الإصلاحية لأن الصراع ليس مسألة تقنية، بل هو صراع سياسي مع أهل السلطة أولاً وأخيراً.. وعنوانه المحوري وقف خطف البلد.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة