الرئيس الروسي ضيف الرياض

الاثنين - 15 صفر 1441 هـ - 14 أكتوبر 2019 مـ Issue Number [14930]

بين زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الرياض اليوم، وزيارته السابقة في العام 2007، يكون قد انقضى 12 عاماً على بدء تقارب كبير بين روسيا الاتحادية والمملكة السعودية. تقارب غطى كثيراً من المجالات، وأظهر رغبة كبيرة لدى الجانبين للمضي قدماً في تعاونٍ متعدد الأوجه، وإن كان البارز فيه التعاون الوثيق بين البلدين في مجال الطاقة، تعاون تم إنجازه في العام 2015 إبَّان الزيارة الأولى لولي العهد السعودي إلى روسيا، فكانت الحصيلة أن أُعيد الاستقرار لأسعار النفط، ما خدم مصالح الدول المنتجة والمستهلكة، ودفع إلى الأمام وبثبات خطط التطوير الاقتصادي.
قبل نحو العامين كان الحدث زيارة الملك سلمان إلى روسيا الاتحادية، لتتوج علاقات آخذة في التوطد والرسوخ، فشهدت سلسلة من اتفاقات التعاون الاقتصادي والعسكري، ومقاربة سياسية لأهم الملفات السياسية في المنطقة، التي تشغل العالم، وليس فقط الرياض وموسكو.
استبق الرئيس الروسي الزيارة بحديث ودِّي عن العلاقات التاريخية بين البلدين، والتعاون المتعدد الأوجه، وتحدَّث عن العلاقات الوثيقة التي تجمعه مع الملك سلمان، وولي العهد، والتي تتطور في كل الاتجاهات، وتناول الاعتداء الخطير الذي استهدف «أرامكو» فقال إن بلاده تنتظر نتائج التحقيقات، لكن «بغض النظر عن الجهة التي تقف وراء الحادث فإننا ندين هذا النوع من الأعمال». واحتل في حديث الرئيس بوتين حيّز التعاون الاقتصادي مكانة لافتة؛ خصوصاً أن الحديث يدور عن توقيع نحو 30 اتفاقية بين البلدين.
يعرف الرئيس الروسي أن السعودية التي تحوز مفاتيح قوة اقتصادية كبرى، وهي منخرطة في بناء السعودية الجديدة وفق «رؤية 2030»، غادرت منذ مطلع الألفية الثالثة سياسة الانتظار، لتتحول إلى دولة مبادرة تخوض أقسى المواجهات مع الإرهاب والتطرف، وترفض بشدة الدور الإيراني المزعزع لاستقرار المنطقة العربية، وهي منذ لبّت نداء الشرعية اليمنية والمواثيق الدولية، اندفعت تناصر الشعب اليمني، وتتقدم القوى للحفاظ على أمن الممرات المائية الدولية، وبالتالي استقرار الاقتصاد العالمي. ويعرف الرئيس الروسي بدقة أن الرياض المتمسكة بمبادرة بيروت «الأرض مقابل السلام» والدولة الفلسطينية المستقلة، تتمسك بقوة بضرورة المضي في الحل السياسي للأزمة السورية، بما يحفظ وحدة سوريا، على قاعدة مؤتمر جنيف والقرار الأممي 2254. وعليه، فأي جهة دولية معنية بالبحث عن حلولٍ لقضايا المنطقة لا بد أن تُيمم ناحية السعودية الدولة المؤثرة في أخذ المنطقة إلى استقرار مستدام.
تبعاً لكل ذلك، فإن كثيراً من الأمور الاستراتيجية ستكون على الطاولة؛ خصوصاً أن روسيا باتت تملك النفوذ الأكبر في سوريا، وهذا الدور يتعاظم مع التراجع المضطرد في الدور الأميركي وشبه الغياب الأوروبي، كما تمتلك مروحة علاقات واسعة مع إيران وتركيا؛ حيث يتضح للجميع الدور المزعزع للاستقرار الذي تقوم به طهران في كل المنطقة، وخصوصاً في الخليج بحيث بات الخطر الداهم يتهدد استقرار الاقتصاد العالمي، فيما تكشف التطورات المتسارعة أن أنقرة تتجه لوضع يدها على الشمال السوري، وتحضر أجواء إشعال مقتلة بين السوريين عرباً وكرداً!
هذه الزيارة نوعية، وهي اليوم الحدث الكبير المنتظر، ولئن كانت ستشهد توقيع اتفاقات اقتصادية متنوعة تشمل كل المجالات والقطاعات، فإنها مرشحة للبحث في عمق كل القضايا الإقليمية التي تهم المملكة السعودية، وغني عن القول أن الرياض تعرف بدقة أنه بوسع موسكو العمل على تجاوز كثير من الصعوبات، وربما فتح أبواب موصدة، بما يعجل مع تطور التعاون الاقتصادي، المضي قدماً في تطوير إمكانات المعالجة الحقيقية للملفات (القضايا)، التي تشغل السعودية وروسيا وكل دول العالم، التي ترى مصالحها الحقيقية في استعادة دول المنطقة أمانها واستقرارها.