مصر التي في طريق النصر

مصر التي في طريق النصر

الأربعاء - 3 صفر 1441 هـ - 02 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14918]
إميل أمين
- كاتب مصري
صباح يوم الجمعة الماضي كانت مصر والمصريون على موعد جديد من عودة الوعي، وتسجيل انتصار كبير على قوى الشر والظلام المتربصة بالمحروسة في الأعوام الأخيرة.
حين غادر رئيس مصر طائرته في طريقه عودته إلى داره، كان المصريون على الطريق يستوقفونه، لا بالمظاهرات الرافضة، بل بأعلام الكنانة وعبارات المحبات، فقد حسموا أمرهم مرة وإلى ما شاء الله، تجاه البناء والنماء، لا الهدم والدمار.
أدرك المصريون في قرارة أنفسهم طوال الأسابيع الأخيرة التي شهدت هجمة غير اعتيادية، سيأتي الوقت للكشف عن أبعادها ومآلاتها، أدركوا أن الفوضى والثورة المقترنة بالفورة لا تفيد، وأن الخروج على الشرعية لا يبني دولاً حديثة، وأن الثأرات وروح الانتقام لا تقيم دولاً عصرانية.
الرئيس السيسي وفي الصباح الباكر لذلك النهار الذي شكَّل بالفعل مفصلاً في تاريخ أرض الكنانة، أصاب إلى أبعد حد ومد حين أشار إلى أن مصر قوية بوعي شعبها، وأنه لا يمكن خداع المصريين مرة أخرى، ولا داعي للقلق.
على أن الحقيقة المؤكدة التي أماط السيسي عنها اللثام هي أن هناك فصيلاً لا يريد لمصر أن تهنأ ولا للمصرين أن يتقدموا، تلك معركة الإرهاب على حد تعبيره، إنها حرب قولاً وفعلاً، جماعة إرهابية صغيرة العدد تقاتل الشعب كله.
الذين استيقظوا باكرا نهار الإجازة الأسبوعية حملوا رسالة تأكيد وتجديد الثقة في رئيس مصر، ولم تنطل عليهم أكاذيب الشرق ولا تهافت جزيرة الشيطان، وقد أدركوا منذ زمان وزمانين أن الرجل هو المنقذ الذي سينهض بالبلاد، منذ أن وضع رأسه على كفه واستنقذ مصر من براثن «سر الإثم» وفعلته والذين أرادوا العودة بنا إلى عصور التوحش.
يذهل المرء من أين يستمد المصريون هذا الوعي المثير، رغم الصعوبات الحياتية اليومية، ضمن عالم مضطرب اقتصاديا وأمنيا، وإقليم يعيش نهاره في قلق وليله في أرق؟
الجواب يسير، ونجده عند الفرعون «حور محب» آخر فراعنة الأسرة الثامنة عشرة، وهو أن المصريين هم أول من شكل حكومة في تاريخ العالم عام 4241 قبل الميلاد، وقد كان ذلك في عصر ما قبل الأسرات، ويومها تجمعوا حول النيل حتى لا يهلكوا في الصحراء، وتاليا تعلموا روح الفريق عند خطر الفيضان، ووضعوا التقويم الذي يزرعون على نظامه حتى الآن، عرفوا الصناعة، وابتكروا أوراق البردي فسجلوا عليها تاريخهم وحضارتهم، صنعوا الدواء من النباتات الطبية، وأنشأوا أقوى جيوش العالم في القديم البعيد، وعلى غير المصدق أن يراجع تاريخ «تحتمس الثالث» بطل معركة مجدو الشهيرة الذي استطاع فيها بـ100 ألف جندي مصري فقط هزيمة مئات الآلاف من الجنود الآسيويين بخطة عسكرية ما زالت تدرس في الأكاديميات العسكرية العالمية إلى اليوم... وهناك الكثير جدا في الوعاء الحضاري الذي استمد منه المصريون وعيهم.
الحكمة ليست بعيدة عن عقول المصريين وقلوبهم، ولهذا اكتشفوا مبكرا أن المقصود هذه المرة ليس السيسي بشخصه، بل مصر وطناً وشعباً وجيشاً، ولعل حديث الجيش المصري يستدعي فتح مساقات عريضة للحديث عن تلك المؤسسة التي باتت من عصرانيتها وقوة بأسها تزعج الكثيرين، وهذا ما يعلمه أولئك الذين قرأوا أوراق التاريخ الحديث منذ محمد علي، مروراً بجمال عبد الناصر وصولاً إلى السيسي، أي الذين ذهبوا في طريق تعظيم شأن قوة مصر والمصريين المادية والأخلاقية دفعة واحدة، ولهذا وضعت العراقيل في طريق مشاريع نهضتهم، وفي سويداء القلب منه وجهت الطعنات للقوات المسلحة المصرية ترس الأمة وسيفها، والتي لولا وطنيتها وشجاعة رجالاتها، لكان الطاعون الأسود «الإرهاب» يضرب مصر اليوم من شمالها إلى جنوبها دون وازع أو رادع.
ما جرى يوم الجمعة الماضي وبحق، هو استفتاء على شعبية السيسي من جهة، وعلى وعي المصريين من ناحية أخرى، وقد جاءت النتيجة باهرة وإن غلفت بطعم الشجن، فطيور الظلام التي أخفقت في حرق القاهرة أو غيرها من محافظات مصر، امتدت أياديها الخبيثة إلى أنفع وأرفع، وإلى أطهر وأنقى ما في مصر من شباب قواتها المسلحة ليحصد إرهابهم الخبيث زهوراً يانعة شهداء على أرض الفيروز.
طريق النصر السائرة مصر على دربه مغلف اليوم بالمزيد من التعقل، ذاك الذي يفتح أمامهم مسارات رؤية جلية غير ضبابية تؤكد لهم أن أفضل ثورة يمكن لهم القيام بها هي ثورة العمل والأمل، ثورة المصانع الهادرة، والإنتاج المتزايد، ومراكمة رأس المال، واستنطاق الحجر، وتحويل صحارى مصر إلى جنان وأراض خصبة، ثورة ثقافية على الجهل والتخلف، على التعصب وأحادية الرأي، ثورة تعيد بناء المفاهيم الأساسية للنزعة العقلانية، توائم بين النقل والعقل، ثورة على المتاجرين بالأديان والممتهنين لكرامة الإنسان.
الشكر واجب لكل الأشقاء العرب الذين ساندوا مصر خلال الأيام الماضية بقلوبهم وعقولهم، وقد كتب أحدهم من المملكة العربية السعودية يقول إن المصريين نهار الجمعة لن يكونوا مائة مليون فقط، بل مائة وثلاثين مليون، والثلاثون هم شعب المملكة بجوارهم، وهكذا فعل الأشقاء في الإمارات العربية المتحدة بنوع خاص.
ويبقى السؤال... مكملين معايا المشوار؟ مكملين يا ريس.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة