المسرح ومطباته

الجمعة - 21 محرم 1441 هـ - 20 سبتمبر 2019 مـ Issue Number [14906]

يخرج رواد المسارح بوجوه طليقة عامرة بالمشاعر بعد مشاهدة عمل مسرحي رائع دون أن يخطر في بالهم ما عاناه الممثلون والمخرجون والمصممون من متاعب ومقالب ومصائب في إعداد العمل وتقديمه. كل من اشتغل في هذا الميدان يحمل سجلاً حافلاً بالويلات. كنت مسؤولاً في الفرقة الشعبية في بغداد عن إعداد المناظر اللازمة لمسرحية «في سبيل التاج». أنجزت المناظر وسلمتها للنجم المسرحي جعفر السعدي، رحمه الله. جاء بسلم خشبي وأسنده إلى حائط المسرح وراح يتسلق حاملاً أحد المناظر لتعليقه عليه. ما هي غير لحظات حتى سمعت دوياً قوياً. التفتُ فوجدت جعفر مطروحاً على الأرض ماسكاً بذراعه. لقد سقط به السلم الخشبي. أسرعت به إلى المستشفى الملكي حيث بادروا بما يلزم. بيد أن كل ما بادروا به لم ينجح في تصليح ذراعه. اضطرت وزارة المعارف بعد بضعة أشهر لإرساله إلى لندن لتصليح ما خربه المسرح منه.
كنت في لندن عندئذ. حدثتني الممرضة وحثتني على مساعدته في إجراء بعض التمرينات الرياضية لذراعه. قلت لها: هذا رجل يعيش من حنجرته وذراعيه. لا خير في ممثل عاجز عن استعمال يديه. تعاطفت معي وقالت: خذه إلى بحيرة السربنتاين.
السربنتاين بحيرة مشهورة في وسط لندن يؤمها السياح والعشاق. استأجرت زورقاً وأجلسته في وسطه. ورحنا نجدف الزورق بين عشرات الزوارق الأخرى المليئة بالعشاق والعاشقات الفاتنات بثياب الرياضة والسباحة. كانت الأشجار تحيط بالماء من الجهتين، محطة للطيور والعصافير، تغرد على هواها. يظهر أن صاحبي جعفر قد استهواه المنظر، كل هؤلاء الفاتنات وهذه الطيور والأشجار الباسقة فراح ينافسها بأنغام المقام العراقي. مسك ذراعه المكسورة بذراعه الأخرى الصحيحة وراح يغني بأعلى صوته المسرحي:
عَلامَ الدهر شتتنا وطرنا
ألف يا حيف ما قضينا وياك يا وحيّد وطرنا
التفت كل من كان في الزوارق الأخرى إلى مصدر كل هذا الضجيج، فلاحت لهم صلعته اللامعة وأسنانه المنخورة وعلامات الوشم على وجهه. كان جعفر يتهيأ للقفل الآخر من الأغنية لولا أنني عاجلت وصحت به: «عيني جعفر، تسكت أو أذبك في البحيرة وأنقذ الناس من صوتك»!
«ليش؟ ما يعجبهم المقام العراقي»؟ قال، وأجبته بنفس الكلمات: «تسكت أو أذبك في البحيرة»؟
المقام العراقي لون خاص من الغناء والموسيقى لا يجيده أو يتذوقه غير المختصين من أهل العراق، فكيف بصبايا الإنجليز في فسحاتهن الغرامية.
لم تنجح معه التمرينات الرياضية ولا العمليات الجراحية. عاد إلى العراق ضحية أخرى من ضحايا المسرح، وإلى الإخراج المسرحي دون أن يتردد في أداء أي دور تمثيلي لا يتطلب من ذراعه اليمنى القيام بالمعجزات التمثيلية. واصل إدارة الفرقة الشعبية وتدريس الفن المسرحي حتى توفاه الله في أجله المحتوم قبل عدة سنوات.