فازّلا يطعن في مصداقية المنجّد

الأحد - 16 محرم 1441 هـ - 15 سبتمبر 2019 مـ Issue Number [14901]

ينقل سليمان الخراشي في ترجمته لعبد الله القصيمي في كتابه «عبد الله القصيمي: وجهة نظر أخرى!» عن يعقوب الرشيد قوله عن صديقه القصيمي في ملف محمد السيف الصحافي عنه إنه «التحق بالمدرسة الرحمانية بالزبير، ثم انتقل إلى الهند ومكث بها عامين. تعلم في إحدى المدارس هناك اللغة العربية، والأحاديث النبوية الشريفة، وأسس الشريعة الإسلامية، ثم عاد إلى العراق والتحق بالمدرسة الكاظمية».
في هذا الكلام أخطاء في بعض المعلومات. وسأبين أصل الخطأ فيها ومصدره.
أول مصدر عن حياة القصيمي، ونشأته العلمية الأولى، هو رسالة دكتوراه أعدَّها أحمد السباعي التي يقول إبراهيم عبد الرحمن عنها وعنه في كتابه «خمسون عاماً مع عبد الله القصيمي»: «استقى معلوماته من الأستاذ القصيمي نفسه، عبر لقاءات معه في القاهرة خلال أعوام 1973، و1974، و1975، و1976، ومن رسائل شخصية بينهما، كما يقول الدكتور السباعي في الرسالة التي كتبها عن (فكر عبد الله القصيمي)، وأعدَّها للمناقشة لنيل درجة الدكتوراه في الفلسفة من كلية الفلسفة والعلوم الإنسانية جامعة الروح القدس (الكسليك). وطبعت في المكتبة العلمية ببيروت في يونيو (حزيران) 1979».
وثاني مصدر هو رسالة الدكتوراه التي أعدها الألماني يورغن فازلا بعنوان، كما ترجمه محمود كبيبو إلى العربية في الطبعة الأولى من الكتاب: «القصيمي بين الأصولية والانشقاق». وقد استمد معلوماته عن القصيمي من القصيمي ومن المحامي إبراهيم عبد الرحمن، واستمدّ معلوماته عنه في فترة الخمسينات من السياسي اليمني عبد الله جزيلان، مع الاعتماد على ما كتبه أحمد السباعي عنه. قدم فازلا هذه الرسالة إلى جامعة بامبيرج، وناقشها بعد بضعة أشهر من وفاة القصيمي، وطبعها في كتاب باللغة الألمانية عام 1997.
ثالث مصدر هو الدراسة التي أعدها عنه المحقق صلاح الدين المنجد تحت عنوان «دراسة عن القصيمي» عام 1967، وأعاد طبعها عام 1972.
يعلق يورغن فازلا في الهامش على قوله في المتن: «ولقد أكد القصيمي نفسه أنه يتحدر من قرية صغيرة اسمها خَبْ الحلوة تقع في منطقة القصيم بنجد»، ويقول: «حديث مع عبد الله القصيمي في 7 مايو (أيار) 1993، وبذلك يؤيد القصيمي بصورة استثنائية، معلومة وردت في (دراسته عن القصيمي) لصلاح الدين المنجد - بيروت 1979، ص14 وما يليها. هي فيما عدا ذلك غير موثوقة إطلاقاً ولا يمكن الاعتماد عليها».
ويقول في هامش بمدخل كتابه: «وفي المراحل المتأخرة من حياته الأدبية نُشرت عدة كتب ضد القصيمي. أهم مثال في هذا الصدد: صلاح الدين المنجد، (دراسة في القصيمي)، بيروت، 1972، ويتضمن هذا الكتاب كمية كبيرة من المعلومات البيوغرافية عن حياة القصيمي، ولكن درجة صحتها ضعيفة جداً، لأن الكاتب ركّز جل اهتمامه على الإساءة للقصيمي ومحاولة البرهان على أنه شخصية عصابية. وهناك كتيب آخر يرمي إلى الهدف نفسه كتبه بصيغة الشعر أحمد محمد الشامي: (ماذا يريد القصيمي؟)، بيروت، 1980».
ويقول في متن مدخل الكتاب: «وكتابات القصيمي نفسه لا تتضمن أي معلومات عن شخص الكاتب. وعندما كان نُقّاده أو مؤيدوه يعرضون معلومات بيوغرافية عنه إنما كانوا يفعلون ذلك إما لكي يسيئوا له ويشوهوا سمعته أو لكي يجعلوا منه شخصية مثالية»، ثم يفتح هامشاً، فيقول: «العرض الوحيد الموضوعي نسبياً لسيرة حياة القصيمي موجود في أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في لبنان لم تُنشَر؛ أحمد السباعي: (فكر عبد الله القصيمي)، أطروحة غير منشورة لنيل شهادة الدكتوراه في جامعة الروح القدس (الكسليك)، 1979. تعالج هذه الأطروحة بالدرجة الأولى المضمونات الفلسفية للكتب التي نشرها القصيمي بين عامي 1967 و1977. لكنها تتضمن مقدمة طويلة عن حياته. ويعتمد السباعي في معلوماته على أقوال القصيمي نفسه خلال العديد من المقابلات الشخصية وعلى تبادل الرسائل في منتصف السبعينات. ولقد أكد لي القصيمي شخصياً صحة المعلومات التي عرضها السباعي».
الإخبار بأن رسالة السباعي للدكتوراه لم تُطبَع في كتاب قال فازلا به، وقال به غيره من الذين تعرضوا للقصيمي بالدراسة، وقال بخلاف ذلك (كما مر بنا في سطر سابق) إبراهيم عبد الرحمن.
فازلا وأحمد السباعي واجها عقبة كأداء في الحصول من القصيمي على معلومات عن حياته الشخصية لأنه (كما يقول صديقه إبراهيم عبد الرحمن) «يرفض أن تكون حياته الشخصية موضوعاً للبحث، وكان يقول: لا تكتبوا عني، ولكن اكتبوا وناقشوا الأفكار التي طرحتها في كتبي المطبوعة». ولقد تمكَّن إبراهيم عبد الرحمن وفازلا من إقناعه بإعطاء الأخير المعلومات التي يريدها، فأعطاه إياها بتململ وانزعاج، وهذا ما أشار إليه فازلا وأشار إليه قبله أحمد السباعي.
نعود إلى ما قاله صديقه يعقوب الرشيد لندقق فيه.
يقول أحمد السباعي عن دراسته هو وعبد العزيز وابن راشد في الزبير: «إذن إلى العراق، إلى مدينة الزبير، إلى مدرسة أنشأها ويديرها رجل مغربي مناضل جداً من أهل الحديث، اسمه محمد أمين الشنقيطي».
ويقول فازلا عن تلك الدراسة: «في البداية وصلا إلى الزبير في جنوب العراق حيث باشرا الدراسة في مدرسة كان قد أسسها شيخ اسمه محمد أمين الشنقيطي وكان يديرها بنفسه».
نلحظ أن السباعي وفازلا لم يسميا المدرسة التي درس القصيمي وعبد العزيز بن راشد فيها في الزبير، والتي سماها يعقوب الرشيد خطأ مدرسة الرحمانية؛ فمدرسة الرحمانية هو اسم المدرسة التي درسا فيها في دلهي. وقد ذكر هذه المعلومة فازلا وذكرها قبله صلاح الدين المنجد وأحمد السباعي. وحين ذكرها فازلا في المتن فتح هامشاً، قال فيه: «يعتبر المنجد هذه المدرسة غير ذات أهمية. ويقول إنه لم يتمكن من معرفة هويتها معتمداً على كتاب (الثقافة الإسلامية في الهند) لعبد الحي الحسني». وقد قلل المنجد من أهمية هذه المدرسة للنيل من القصيمي، أما هويتها فمعروفة أنها هوية سلفية حديثية، فأصحابها سلفيون من أهل الحديث.
وقد وصف القصيمي هذا المدرسة كما ينقل عنه فازلا بأنها مدرسة قليلة الشأن ورجعية. وقد وصفها بأنها قليلة الشأن، وقد تكون كذلك، لهدف يختلف عن هدف المنجد في التقليل من شأنها؛ فهو يريد أن يقول إنه لم يستفد منها في العلم الديني، وإنما اعتمد على نفسه في تحصيل هذا العلم، ولأنه ينظر إلى ماضيه وحياته الأولى بسخط مبالَغ به، وينظر إليه بحسب ما تحول إليه من تحرر فكري متطرف. وهذا واضح من وصفه لها بالرجعية؛ فهل هو في ذلك الوقت يعرف ما الرجعية وما التقدمية وكيف تكونان؟! فأنّى له أن يعرف ما هما وهو قبل دخوله هذه المدرسة درس في الرياض وفي الشارقة وفي الزبير، فهل كانت مدارسها الدينية مدارس تقدمية؟! وما المتوقَّع من مدرسة لأهل الحديث وكل مدارس الحديث في الهند وكل المدارس الدينية في العالم الإسلامي سنية وشيعية في ذلك الوقت هي بمقاييس الحداثة والعصرنة كانت مدارس رجعية؟! وجامع الأزهر الذي درس فيه ابتداء من عام 1927، كان في ذلك الوقت رجعياً. المدرسة الدينية التي كانت في ذلك الوقت تقدمية وعصرية هي جامعة «علي كره» الإسلامية في الهند التي أنشأها السير أحمد خان عام 1875، وإلى حد ما كانت كلية دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي في القاهرة مقارنة بجامع الأزهر فيهما قدر بسيط من العصرية.
إنني أظن أن القصيمي استفاد من هذه المدرسة في العلم الديني، خصوصاً في علم الحديث، فهذا العلم كان مزدهراً في الهند وكان خاملاً في العالم العربي، مشرقة ومغربه، إلى منتصف القرن الماضي. استفاد من المدرسين أو استفاد من مكتبة هذه المدرسة، لأنه كان دودة كتب.
إن من اللافت فيه أنه في سجاله السلفي مع بعض علماء الأزهر المعادين للسلفية وللوهابية ولابن تيمية كان قوي العارضة في الجدل، واستطاع أن ينتصر عليهم في سجاله معهم، رغم أنه كان شاباً فتياً.
لقد استفاد من هذه المدرسة في تكوينه العلمي الديني الأول، لكنه لا يريد أن يبوح بذلك للسبب الذي ألمعت إليه. واستفاد من الكتب الدينية المتوفرة في مكتبة جامع الأزهر، ومن الكتب الدينية المتوفرة في المكتبات الدينية التجارية في القاهرة. لقد كان القصيمي طلعة في القراءة وانفتاحه على المعاصرة لم يأتِهِ من الدراسة في جامع الأزهر، وإنما من نهمه في القراءة في الكتب ذات الاتجاه الحديث التي انعكست إلى حد ما في كتابيه: «الثورة الوهابية» و«كيف ذل المسلمون». وأثر فيه هذا الاتجاه على نحو راديكالي في التجديد الديني في كتابه «هذي هي الأغلال»؛ ففي مصر، في عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، كانت الغلبة في الوسط الأدبي والثقافي للاتجاه الحديث والتحديثي، وكانت هناك كتب مؤلفة وكتب غربية مترجمة ومجلات ثقافية وصحف تدور في فلك هذا الاتجاه، وكان القصيمي يقرأ فيها كثيراً.
حين أشار فازلا إلى دراسة عبد العزيز بن راشد والقصيمي في «مدرسة أسسها شيخ اسمه محمد أمين الشنقيطي، وكان يديرها بنفسه» قال في الهامش إنه لم يعثر في مراجع السير الحياتية المتداولة على ذكر لعالم اسمه محمد أمين الشنقيطي. وهذا يعني أن القصيمي قصّر في التعريف به أو أنه صار لا يذكر منه سوى اسمه!
وقد ذكر السباعي أنه من أهل الحديث، وهذا ليس صحيحاً؛ فهو فقيه وأصولي ولغوي، وهو (كما قال عنه السباعي) مناضل جداً. نعم، فقد كان مناضلاً ضد الاستعمار الإنجليزي.
والمدرسة التي أسسها هو وأهل الزبير هي مدرسة النجاة الأهلية. أسسها سنة 1923، ويحدث أحياناً عند بعض الكتاب غلط في السنة التي أسست فيها؛ فهم يخلطون بينها وبين جمعية النجاة الأهلية التي أسسها سنة 1920.
مدرسة الرحمانية موجودة في البصرة، وليست في الزبير كما وهم يعقوب الرشيد. وقد عرفت أن هذه المدرسة موجودة في البصرة من مقال للدكتور الراحل عبد الرحمن الشبيلي عن محمد الأمين الشنقيطي، منشور في جريدة «الجزيرة»، عرض فيه لكتاب ألّفه عن الشنقيطي عبد الله أحمد الدليشي الخالدي، وعنوانه «محمد أمين الشنقيطي: حياته، مذكراته، علاقته بملوك وشيوخ الجزيرة».
وقد ذكر المؤلف أن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي والمربي صالح بن ناصر الصالح قد تتلمذا عليه. وللحديث بقية.