السعودية وفلسطين.. أولويات ومبادئ لم تتغير عبر العقود

وصف تشرشل الملك عبد العزيز بأنه {أصلب وأعند حليف لنا يعارضنا في القضية}
الثلاثاء - 29 ذو القعدة 1435 هـ - 23 سبتمبر 2014 مـ Issue Number [13083]
الرياض: بدر الخريف

تعيد مناسبة اليوم الوطني للسعودية مواقفها تجاه قضية فلسطين، التي تنظر إليها السعودية على أنها قضية حق الإنسان العربي في ترابه الوطني، لأن تراب فلسطين هو ملك للأمة العربية، وأن المقدسات الإسلامية في القدس والتراب الفلسطيني هو ملك للأمة الإسلامية، وهذان أمران يشكلان حقوقا ثابتة لا جدال حولهما بالنسبة للمملكة العربية السعودية ذات المركز الديني الإسلامي المركزي، لأن الأمر كله واجب ديني وواجب وطني، وهما أمران تعترف بهما المملكة وتقرهما.
وشدد الدكتور ناصر بن محمد الجهيمي، نائب الأمين العام لدارة الملك عبد العزيز التي تعد حاضنة تاريخ الوطن، ويرأس مجلس إدارتها الأمير سلمان بن عبد العزيز المؤرخ الأول في بلاده، شدد على أن المملكة العربية السعودية وقفت في عهد مؤسسها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود موقفا مؤيدا ومناصرا للشعب الفلسطيني ضد الاستعمار والصهيونية العالمية، رغم الصعوبات التي كانت تمر بها المملكة بعد مرحلة توحيد البلاد السعودية، مثل الأزمة الاقتصادية العالمية الخانقة التي ألمت بالعالم عام 1348هـ 1929م وظلت نتائجها مدة من الزمن، ومسائل تثبيت الحدود السياسية، ومسائل الاعترافات السياسية والدبلوماسية، ومتطلبات بناء الدولة الحديثة وغيرها من المسائل الملحة التي لها أثر في توزيع الجهد المتكامل وتشتيته.
وأشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن قضية فلسطين بالنسبة للمملكة العربية السعودية قضية مركزية من حيث قضايا العالمين العربي والإسلامي، وهي أساس في سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية. وكان موقف الملك يتلخص بعدم تدخل الجيوش العربية في فلسطين وأن القضية وقف على الفلسطينيين وحدهم، وعلى جميع الدول العربية والشعوب العربية أن تقف إلى جانبهم وتمدهم بالمال والسلاح والرأي والمشورة والدعم الدولي والإقليمي.
لقد كانت مواقف الملك تجاه القوى الكبرى - على وجه الخصوص - كلها لمصلحة القضايا العربية الإسلامية بشكل عام، ولصالح القضية الفلسطينية بشكل خاص. وكان هم تلك القضية أنبل الهموم العربية التي حملها الملك في قلبه، وخصها بفائق عنايته انطلاقا من مسؤوليته عن البيت الحرام، وانتهاء بمسؤوليته عن المسجد الأقصى والقدس. ووقف مع عرب فلسطين يؤيدهم، ويشد أزرهم، ويبذل لهم ضروب المساعدات مادية وأدبية في كفاحهم لإنقاذ وطنهم. وتصدى بالحجة والبرهان والتاريخ لإظهار وجه الحق والعدل لقضية عرب فلسطين، وأصبح العاهل السعودي عاملا مؤثرا بالنسبة للقضية على الساحة الدولية، ولدى من بأيديهم زمام الأمر لدفع الكارثة عن تلك البقعة العزيزة الغالية من بقاع العرب والإسلام.
وأوضح الدكتور الجيهمي عن دور الملك عبد العزيز في دعمه ومساندته لقضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى أن السعودية وقفت وهي في طور التأسيس والنشأة بقيادة مليكها المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود موقف المؤيد والمناصر للشعب الفلسطيني حينما جاءت قضية فلسطين على محك المفاوضات الحالية بين الملك عبد العزيز والحكومة البريطانية في الاجتماعات التي سبقت اتفاقية جدة في ذي القعدة من عام 1345هـ 1926م، بشأن إلغاء معاهدة القطيف الموقعة عام 1334هـ 1915م واستبدالها بمعاهدة جديدة تحقق طموحات الملك عبد العزيز في وجود علاقات تربطه مع بريطانيا على أساس المعاملة بالمثل. وأراد البريطانيون أن يعترف الملك عبد العزيز آل سعود مقابل ذلك بمركز خاص لهم في فلسطين، أو بوجود خاص لهم في فلسطين، يعترف الملك بموجبه بالانتداب البريطاني على فلسطين، ويعترف بوعد بفلور المضمن في صك الانتداب، ويكونوا بذلك قد كسبوا حليفا قويا لهم، لأنه أقوى حكام الجزيرة العربية بلا منازع، ومن أقوى وأهم الحكام العرب خارجها، ويكونوا كذلك قد أضعفوا قوى المعارضة العربية. لكن الملك عبد العزيز رفض المساومة على حقوق أمته ومقدراتها الدينية والوطنية، فأرض فلسطين أرض عربية إسلامية رواها الأجداد العرب والمسلمون بدمائهم، وحافظوا عليها رغم ما حل بها من نكبات واعتداءات من الصليبيين ومن قبل اليهود الذين ما فتئوا يخططون لانتزاعها من أهلها بالظلم والقوة.
وعن مشروع التقسيم أوضح الجهيمي بالقول: وعند صدور مشروع تقسيم فلسطين الذي أقرته لجنة بيل قال الملك عبد العزيز مخاطبا الوزير المفوض البريطاني في جدة في الثاني عشر من شهر شوال عام 1356هـ 1937م: لا يوجد عربي صادق يوافق على التقسيم، وإذا قيل لكم: إن أفرادا في بلد عربي يوافقون على التقسيم فثقوا أن أغلبية ذلك البلد لن توافق عليه. وأمر الوزير المفوض أن ينقل لحكومته تحذيرا من أن تقوم بعمل يكون مضرا بعرب فلسطين.
وأعلن الملك عبد العزيز عن رفضه للمشروع وبذل جهودا كبيرة على المستوى العربي والدولي لمنع هذا المشروع. وكلف الملك عبد العزيز ابنه الأمير فيصل لتكوين لجان شعبية في أنحاء المملكة العربية السعودية لجمع التبرعات لإنقاذ فلسطين وشعبها وخاطب أمراء المناطق ليحثوا أبناء المملكة على الاحتجاج ضد قرار التقسيم. وأصبحت وزارة الخارجية السعودية بمثابة الهيئة الدبلوماسية لفلسطين تتابع المحاولات السياسية لحل القضية الفلسطينية وتتصل بالحكومات وتوضح الحقائق.
وقد وصف ونستون تشرشل الملك عبد العزيز بأنه أصلب وأعند حليف لنا يعارضنا بالنسبة للقضية الفلسطينية. وقال الملك عبد العزيز مخاطبا الساسة البريطانيين: أنا لا أستطيع أن أنصح العرب والفلسطينيين بأن يكونوا هادئين بعد هذا كله. وفي اجتماع جرى بين الملك عبد العزيز واللورد بلهافين وستنتون والسير ريدر بولارد في الثالث عشر من ذي القعدة سنة 1356هـ 1938م قال الملك عبد العزيز: إن مشروع تقسيم فلسطين يحسب بحق نكبة عظيمة على العرب والمسلمين، ولذلك يجب أن يصرف عنه النظر بتاتا وأن يسار إلى خطة أخرى.
وفيما يتعلق بالهجرة اليهودية وجهود الملك عبد العزيز في مكافحتها يوضح الجهيمي أن القلق الذي أحدثته هجرة اليهود إلى فلسطين والمواقف الصلبة التي اتخذها لوقف هذه الهجرة جعلت بن غوريون الزعيم الصهيوني يعرض على سينت جون فلبي عام 1355هـ 1937م اقتراحا لعرضه على الملك عبد العزيز مفاده إنهاء حكم الانتداب البريطاني على فلسطين وإقامة وحدة بين فلسطين وشرقي الأردن والمملكة العربية السعودية شريطة أن تفتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وشرقي الأردن، لكن الملك عبد العزيز رفض هذا المقترح رفضا قاطعا. ويشير الجهيمي في هذا الصدد إلى أن فلبي في كتابه اليوبيل العربي يروي أنه في عام 1358هـ 1939م قابل الزعيم الصهيوني الدكتور حاييم وايزمان الذي طلب مساعدته في توسط فلبي لدى الملك عبد العزيز أن تعطى فلسطين لليهود وأن يجلى العرب منها ويوطنوا في مكان آخر ويضع اليهود مقابل ذلك عشرين مليون جنيه إسترليني تحت تصرف الملك ابن سعود لهذه الغاية (وللقارئ الكريم أن يتصور هذا الرقم المالي في عام 1358هـ 1939م والظروف المالية التي تمر بها المملكة العربية السعودية آنذاك).
وفيما يتعلق باستمرار الهجرة اليهودية قال الجهيمي: ركز الملك عبد العزيز رحمه الله على موضوع الهجرة اليهودية عند اجتماعه بكل من روزفلت الرئيس الأميركي، وتشرشل رئيس الوزراء البريطاني معتقدا أن استمرار الهجرة اليهودية سيخلق وضعا جديدا في فلسطين تكون نتائجه سيئة عليهم وممهدة لقيام دولة يهودية على التراب الفلسطيني. وقال الملك عبد العزيز لتشرشل عندما رفض طلب وقف الهجرة اليهودية: على بريطانيا والحلفاء أن يختاروا أحد أمرين: إما صداقة العرب أو مقاومة عربية حتى الموت. وعندما طلب منه تشرشل المساعدة في كبح جماح العرب الفلسطينيين المتطرفين - كما وصفهم - لكي يقبلوا بتسوية مع الصهاينة، أجاب الملك رحمه الله بقوله: لا أستطيع أن أخون ضميري وشرفي كمسلم بقبول تسوية مع الصهيونية.
وخلال ذلك التاريخ كلف الملك عبد العزيز ممثله خالد القرقني بشراء أسلحة للفلسطينيين وإرسالها إليهم رغم الظروف السياسية والاقتصادية آنذاك
ولقد عبر عدد من زعماء الصهيونية عن شعورهم بتأثير السياسة السعودية ونجاحها في دعم القضية الفلسطينية. فها هو ديفيد بن غوريون يكتب لزوجته رسالة في عام 1358هـ 1939م ويقول فيها: «إن ابن سعود يعارض قيام دولة يهودية، ففلسطين بلد عربي وهو لا يستطيع أن يرى شعبا يحتل قطعة أرض عربية».
وقد استمر الملك عبد العزيز يبذل قصارى جهده من خلال الطرق الأكثر نفعا وفائدة، مع تأييده الكامل لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة، ومما قاله رحمه الله: أما الحقيقة الواقعة فإن أهل فلسطين بعد أن رأوا من الحكومة البريطانية إصرارها على تقسيم بلادهم، ثم ما آلت إليه الحالة من الإجراءات الأخيرة اعتقدوا أن الحكومة البريطانية تريد إفناءهم عن آخرهم، لتحل اليهود محلهم في بلادهم، وهم بعد هذا الاعتقاد لم يتركوا بابا للمقاومة إلا طرقوه، ولا سبيلا لنيل المساعدات إلا سلكوه.
وتناول نائب الأمين العام لدارة الملك عبد العزيز في حديثه لـ«الشرق الأوسط» مواقف الملك عبد العزيز بشأن دعم القضية الفلسطينية قائلا: عندما عقد مؤتمر فلسطين بلندن أو ما يسمى بمؤتمر المائدة المستديرة في عام 1358هـ 1939م شارك الأمير فيصل بن عبد العزيز ممثلا للمملكة العربية السعودية ووجه الملك عبد العزيز وزير ماليته عبد الله السليمان بتحمل نفقات سفر الوفد الفلسطيني إلى لندن وتسهيل مهمته، ووقفت المملكة خلال ذلك المؤتمر موقفا مشرفا أزعج الإنجليز واليهود الصهاينة الذين واجهوا مواقف صلبة من الجانب السعودي. ونتيجة لتلك الجهود المضنية في ذلك المؤتمر تفاءل الأمير فيصل في رسالة وجهها إلى أمين الريحاني، والأمير لا يزال في لندن في محرم 1358هـ الموافق مارس 1939م قائلا: «تروننا نواصل الليل بالنهار لإقناع الإنجليز بعدالة ومطالب العرب.. وقد توفقنا حتى الآن إلى زحزحتهم عن موقفهم السلبي وحصلنا منهم على أسس جديدة متعلقة بالاستقلال». ولأن المملكة العربية السعودية تحرص على إيضاح الحقائق تجاه مواقفها، فلقد أمر الأمير فيصل بطباعة مداولات ذلك المؤتمر ونشر في عام 1359هـ 1940م متضمنا المواقف العربية والإنجليزية واليهودية التي اتخذت في ذلك المؤتمر لإعلان حقيقة ما دار وتفنيدا لما أثير من مغالطات.
وأعلن الملك عبد العزيز عن موقفه الصريح في رسالة موجهة إلى أمين الريحاني في عام 1358هـ 1939م قائلا: «يجب أن تكونوا على ثقة بأننا لن نقصر في جهد من الجهود الممكنة من أجل فلسطين، ولم يحن الوقت بعد لأن ننشر كل أعمالنا، ولن يكون موقف الابن فيصل في لندن إلا فوق موقف كل إنسان آخر في الدفاع عن مطالب فلسطين». وأضاف الملك عبد العزيز في تلك الرسالة مزيدا من الدعم والتشجيع لجهود الريحاني في أميركا بشأن القضية الفلسطينية قائلا: «وإننا نأمل في أن تساعد محاضراتكم في أميركا عن فلسطين في تنوير الرأي العام الأميركي ليخفف تأثير خداع اليهود في تلك البلاد العظيمة الشاسعة».
وفي عام 1362هـ 1943م أسست المملكة العربية السعودية قنصلية عامة لها في مدينة القدس بفلسطين لتسهيل الاتصالات مع الشعب الفلسطيني وتيسير الدعم لقضيته العادلة.
والمطلع على المراسلات التاريخية بين الملك عبد العزيز ورئيسي الولايات المتحدة الأميركية فرانكلين روزفلت وهاري ترومان وملك بريطانيا جورج الخامس ورئيسي الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين وونستون تشرشل، يتضح لديه قوة الموقف السعودي وصلابته مع تلك الدول الكبرى لدعم الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية. وتعد الرسالة الأولى الموجهة من الملك عبد العزيز إلى روزفلت من المصادر المهمة لشرح تاريخ فلسطين ودحض المزاعم اليهودية في الأراضي العربية. كما أن تلك الرسالة تعد أكثر رسالة عربية جرأة وصراحة تحدثت عن الحق الفلسطيني بكل شمولية وعدل ولا يوجد لها مثيل في المواقف العربية الأخرى في ذلك الوقت المبكر.
ويعد اللقاء التاريخي الذي جمع بين الملك عبد العزيز بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ثم برئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في عام 1364هـ 1945م من المحطات التاريخية المهمة في الموقف السعودي تجاه القضية الفلسطينية. ويكفي أن مثل هذا الموقف جعل الرئيس الأميركي يعلن عدم اتخاذه قرارا لا يأخذ في الاعتبار الجانبين العربي والإسرائيلي.
وبضغوط من الدول العربية قرر الملك عبد العزيز اشتراك الجيش السعودي الرسمي مع جيوش الدول العربية في حرب فلسطين عام 1367هـ 1948م رغم عدم قناعته بفائدة ذلك مقابل دعم الفلسطينيين للمواجهة، وجاء قراره ذلك من أجل وحدة الصف العربي.

إقرأ أيضاً ...