قِدْر قطب الذي فار على القصيمي وكتابه

الأحد - 24 ذو الحجة 1440 هـ - 25 أغسطس 2019 مـ Issue Number [14880]

لكتاب علي شلش «التمرد على الأدب: دراسة في تجربة سيد قطب» مزايا عديدة لا تتوفر حتى في الدراسات الجيدة المعمولة عنه. ومن هذه المزايا كشفه الباهر أن عبد الله القصيمي وكتابه «هذه هي الأغلال» تسبب في مجافاة سيد قطب لأستاذه عباس محمود العقاد، وتسبب في انصرافه عن الأدب إلى الكتابة الإسلامية وحدها، والتحول إلى اتجاه إسلامي أصولي.
يقلل شريف يونس في كتابه «سيد قطب والأصولية الإسلامية» من أهمية هذا الكشف الباهر، وسأردّ عليه حينما أعود إلى مناقشته مناقشة ختامية بعد أن أفرغ من مناقشة سليمان الخراشي.
ولأن القصيمي وكتابه كان لهما دور مفصلي في حياة سيد قطب، الذي يعود فضل الكشف عنه لعلي شلش، فسأقدم ملحوظات أخرى على معركة سيد قطب مع القصيمي وكتابه.
هذه المعركة هي آخر معركة صنعها سيد قطب. وقد حاول بعدها أن يصنع معركة حينما كان رئيس تحرير مجلة «العالم العربي» مع شيوخ الأدب في مصر، أو ما يسميه علي شلش «الحكومة الأدبية» بمقاله «بدء المعركة: الضمير الأدبي في مصر: شبان وشيوخ»، وهو المقال الذي كان امتداداً لمقال من مقالاته عن القصيمي، وهو مقال «غفلة النقد في مصر»، لكن هذه المعركة بدأت وانتهت عنده فقط، ولم تتم سلسلة مقالاته فيها التي وعد القراء بها، لأن صاحب المجلة يوسف شحاته (كما مرَّ بنا في مقالات سابقة) أقاله من رئاسة التحرير مباشرة بعد نشره لذلك المقال السفيه.
وقد بدأت المعركة وانتهت عنده فقط، لأن شيوخ الأدب ترفعوا عن الرد عليه، مثلما فعلوا مع مقاله السابق عنهم، ولأن شبان الأدب لم يعلقوا عليه، لا بالتأييد ولا بالاعتراض ولا بالتحفظ.
في معركته مع القصيمي وكتابه، لأول مرة يبين عن توجهه الإسلامي المحافظ، وهو التوجه الذي قبل أن يصنع معركته مع القصيمي وكتابه، كان حريصاً أشد الحرص على عدم إظهاره في كتاباته! بل أكثر من هذا أنه كان حريصاً فيها على عدم إظهار أنه متدين على نحو ما، وأنه محافظ ثقافياً وفكرياً، كان حريصاً على هذا حتى أمام أصدقائه الحميمين!
هذه الملحوظة تشير إلى اعتلال وخلل في شخصيته، وإلى عمق المأزق النفسي الذي كان يعيشه قبل جهره بإسلاميته.
إن هناك أدباء ومثقفين من مصر ومن خارجها من ذوي التوجه الإسلامي المحافظ كانوا يصدعون بتوجههم الإسلامي المحافظ ولا يسرُّونه كما كان يفعل سيد قطب، بسبب أن الأطروحة العلمانية وفهمها المتحرر للدين والسياسة والأدب والثقافة والمجتمع والحياة كانت هي المهيمنة في مجتمع الأدباء في مصر وفي بعض بلدان الشرق العربي، في المنتصف الأول من القرن الماضي. وكان لهؤلاء حضور وإسهام في الحياة الأدبية والثقافية في مصر. وكانوا يحظون بتقدير واحترام وتثمين عند مخالفيهم في توجههم. فهؤلاء على النقيض من سيد قطب لم يدخل في روعهم أن المعالنة بتوجههم الإسلامي المحافظ ستخفض من قيمتهم الشخصية، وستقلل من شأنهم الأدبي والثقافي والعلمي.
وهناك أدباء بعيدون عن التصنيف السابق كانت لهم آراء جريئة في تحررها الديني والثقافي والاجتماعي لم يقل سيد قطب بمثلها ولا بما هو دونها بكثير، إلا أنهم مع هذا كانوا يفسحون في بعض كتاباتهم المجال للتعبير عن تدفق نوازعهم الإيمانية الإسلامية، ولا يترددون في إظهار الحماس في الدفاع عن الإسلام، حينما تستوجب مناسبة إظهار ذلك.
يتوفر أكثر من شاهد على ذلك. وتجنباً للإطالة سآتي بشاهد واحد.
هذا الشاهد هو دريني خشبة. دريني خشبة أديب ومترجم عنايته الأساسية كانت منصبة على المسرح الأوروبي والمسرح اليوناني وأساطير اليونانيين وملاحمهم. دريني خشبة كان من جيل سيد قطب، وكان صديقه وزميله في وزارة المعارف.
هذا الرجل مع أن محل عنايته الأساسية الموضوع الذي ذكرته، لما قرأ كتاب الشاعر معروف الرصافي «رسائل التعليقات»، الذي هو عبارة عن تعليقات على ثلاثة كتب هي: كتابا زكي مبارك «التصوف الإسلامي» و«النثر الفني في القرن الرابع الهجري»، وكتاب المستشرق الإيطالي كايتاني «التاريخ الإسلامي»، هاجم الكتاب بمجموعة من المقالات، لأنه رأى في التعليقات على الكتاب الثاني زندقة وإلحاداً، في حين رأى أن التعليقات على الكتاب الأول والكتاب الثالث تعليقات من وجهة تُعدّ إسلامية بحتة.
وإذا كان سيد قطب قد تكلف في مقاله الأول عن القصيمي التظاهر بشدة إيمانه بحرية الفكر مع أنه كان يبطن خلاف ذلك، فإن دريني خشبة لم يتكلف التظاهر بخلاف ما يؤمن به حقيقة وصدقاً. ففي مقال من تلك المقالات أوضح أن لحرية الفكر عنده حدوداً، وعرض حرية الفكر للمناقشة والمجادلة.
في الفترة الزمنية التي أتحدث عنها كانت تُنشر مقالات في بعض المجلات الثقافية في مصر فيها مساس بالدين. وثمة كتب تصدر في مصر لا تخلو من التعبير عن آراء هي مخالفة للفهم التقليدي والمتعارف عليه للدين. وتتضمن آراء فكرية جريئة إزاء الدين. ومع هذا لم يسبق لسيد قطب أن تعرض لهذه وتلك بالمناقشة والنقد لكي لا يُفهم أنه ينطوي على نزعة دينية!
هذه الصورة المغلوطة التي أنشأها عن نفسه، هي التي دفعت صديقه الذي لم يذكر اسمه إلى أن يزوره في بيته بصحبة عبد الله القصيمي ليطلبا منه العون في الدفاع عن الكتاب، بعد أن شنّت حملة دينية سلفية عليه وعلى كتابه في مصر وفي السعودية. وكان القصيمي قبل هذه الزيارة قد أهداه الكتاب، ربما على أمل أن يكتب عنه، كما تفعل طائفة من المؤلفين. فلقد اشتهر سيد قطب بالكتابة عن الأعمال الجديدة.
إن كان القصيمي أهداه كتابه من أجل ذلك الغرض، فلقد أخطأ، إذ إنه لو تحرى عنه من خلال عارفيه والمتابعين لكتاباته، فسيعلمونه أنه لا يكتب إلا عن الكتب الأدبية وكتب التراجم والكتب المتعلقة بتاريخ الإسلام السياسي في صدره الأول، وكتابه هو خارج هذه المجالات. وإن كان أهداه كتابه ليقرأه بوصفه أديباً ومثقفاً فليس ثمة خطأ في هذا الفعل.
كتاب القصيمي ليس فيه زندقة والحاد، وإنما هو كتاب تجديد في الدين إلى حد الثورية. وهو من الصنف الذي يقبله الدينيون التجديديون والتحرريون والمنفتحون. ومع هذا فار قِدْر سيد قطب على الكتاب وعلى صاحبه.
فار قِدْر سيد قطب على الكتاب وعلى صاحبه، ليس لأن صديق سيد قطب زاره في بيته صحبة القصيمي ليطلبا المعونة في الدفاع عن الكتاب، فبلا شك أن طلباً كهذا، وقد قُدّم تحت دعوى الدفاع عن حرية الفكر أحرجه، لأنه في داخله لا يقر الدفاع عن كتاب من ذلك الصنف، وفي الوقت نفسه لا يجد في نفسه الشجاعة بمصارحتهما بأنه ليس مع حرية الفكر إلى الحد الذي ذهب القصيمي إليه في كتابه.
وفار قِدْره، ليس لأن ما جاء في الكتاب استفز آيديولوجيته الدينية المستترة، فهو قد روض عقله على تحمل الآراء والأفكار المستفزة لفحوى آيديولوجيته الدينية المستمرة، بدليل أنه قبل معركته مع القصيمي وكتابه لم يخطّ يوماً سطراً في الاحتجاج على آراء علمانية جداً تتعلق بالدين وقضاياه وشؤونه.
وإنما فار قِدْره لأن العقاد خص كتاب القصيمي بمراجعة فيها إطراء وثناء على الكتاب وعلى صاحبه.
فار قِدْره على القصيمي وعلى كتابه لأنه كان ينتظر منذ مدة طويلة أن يحوز هو وكتاب من كتبه على تقريظ من العقاد. ومع أنه في حدود سنة أو أقل كان قد طلب من العقاد أن يكتب مقدمة كتابه «التصوير الفني في القرآن» ولم يستجب العقاد لطلبه، إلا أنه لم ييأس من أن ساعة التقريظ آتية، ثم يفاجأ بالعقاد يقرظ كتاباً لشخص ليس هو من تلاميذه، ولا تجمعه به صحبة شخصية أو معرفة عامة، وليس هو اسماً أدبياً أو فكرياً معروفاً لدى شيوخ الأدب وشُبَّانه في مصر.
الملحوظة الثالثة على هذه المعركة أنه للسبب السالف كان يجب أن يوجه حنقه وحقده إلى العقاد لا إلى القصيمي وكتابه. فالعقاد هو الذي لم يعترف علانية به كشاعر وكناقد أدبي متميز، كما يرى هو نفسه.
الملحوظة الرابعة أنه في مقاله «غفلة النقد في مصر» الذي هو أحد مقالات معركته مع القصيمي وكتابه، كان يجب أن يحصر نقده في العقاد ويسميه باسمه، لا أن يحشر كبار النقاد المصريين والنقد الأدبي في مصر في نقده. فكبار النقاد المصريين إذا ما استثنيا العقاد، والنقد المصري، ليس لهما في قضية القصيمي وكتابه ناقة ولا جمل. إنه حشرهما في نقده ليعوّم نقده للعقاد ويلمزه من بعيد. وقد فعل ذلك أيضاً في خاتمة المقال الذي سبق هذا المقال، وهو مقال «من مفارقات التفكير: الأستاذ إسماعيل مظهر وكتاب الأغلال»، وإن كان على نحو ألطف. ففي هذا الخاتمة قال: «وبدلاً من أن ينبه النقاد الكبار إلى هذا الاتجاه المريب يؤخذون بالدعاوى المفتعلة، ويبذلون إعجابهم المطلق للكتاب وصاحب الكتاب!». وكان يقصد العقاد بهذا الكلام.
لقد لجأ سيد قطب إلى هذا الأسلوب الملتوي في النقد لسببين، هما: أنه يخشى العقاد ويهابه، وأنه كان ناقماً على النقاد الكبار أو شيوخ الأدب، لأنهم مثل العقاد لم ينعموا عليه حتى بقطرة مدح وثناء. وللحديث بقية.