أشباح صالح: الوحدة اليمنية خيار أم ضرورة؟

الثلاثاء - 19 ذو الحجة 1440 هـ - 20 أغسطس 2019 مـ Issue Number [14875]

الخائضون في الشأن اليمني اليوم كثيرون، لكن مقاربات الغالب منهم لا تنفذ إلى وضعية اليمن الجديدة بعيداً عن التصورات التي لم تتجاوز لحظة علي صالح الذي رغم كل عيوبه كان يطلق عصاه وجزرته لترويض الفرقاء في اليمن.
ما يحدث اليوم شيء آخر، فاليمن غير السعيد يصل إلى هوة سحيقة من التردي في الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية متجاوزاً مفاهيم الدولة والسلام والحرب والوحدة والأمن إلى حالة من التفكك والتشرذم الأمني والجهوي والمناطقي، وصولاً إلى «السلطة المشاعة» التي تعني فرض قوة السلاح من مجموعات متنافرة صغيرة بعضها بالمئات وأخرى بالآلاف تستثمر في شعارات قديمة: الانفصال والتحرر، واستعادة الشرعية أو نزعها، في حين أنها تعبر عن صراع نفوذ واستحواذ بقوة السلاح؛ لذا نشهد هذا التداخل بين الشعارات السياسية وبين الفاعلين على الأرض. على مستوى الشعارات تدرك المجموعات المسلحة، كما هو الحال ميليشيا الحوثي، أن المجتمع الدولي لن يقبل حالة التمرد وفرض القوة إلا إذا ارتدت أقنعة سياسية. الجنوبيون عادوا إلى مظلومية دولة الجنوب التي وأدها صالح الرئيس الذي لا تزال أشباحه تلاحق النخب السياسية اليمنية على مختلف تبايناتها وتناقضاتها، فالخوف من إعادة تجديد الوحدة ضمن صيغ توافقية جديدة يرعاها التحالف هو جزء من استحضار الوحدة الشكلانية القسرية التي جاءت بها حرب 94. والمفارقة أن عناصر «القاعدة» والتيارات الجهادية ساهمت في صناعة «وحدة صالح»، وهي اليوم تحارب شبح الوحدة تحت مسمى التحرر وحق الانفصال للجنوب، في حين أن هذه المجموعات المسلحة المنشقة عن «القاعدة» والغارقة في ثقافتها أبعد ما تكون عن مشروع سياسي مرتبط بالجغرافيا لا المصالح الشخصية، لا سيما أن هويتها قائمة على التجنيد والعمل وفقاً للآيديولوجيا العابرة للأوطان.
بعث «الانفصال» من مرقده يتم التعبير عنه للمعلقين على الشأن اليمني كعلاج سحري ونهائي لصداع الحالة اليمنية المؤرقة، بينما لا يمكن أن يكون سوى مسكن لتصدعات عميقة مضى عليها أكثر من ثلاثة عقود ونصف تحولت فيها الجيوسياسة اليمنية وتبديل الكتل السكانية وهجرتها من الجنوب للشمال تبعاً لحالة الأمن والانتعاش الاقتصادي الذي لم يكن انعكاساً لوضعية الدولة الواحدة بل لاقتصاديات جهوية مرتبطة بالمشاريع التنموية للمؤسسات الدولية وتحويلات المغتربين؛ وفي حالة كهذه من العسير والمستحيل الوصول إلى تصورات طويلة المدى لوضعية ما يحدث في اليمن بشكل قابل للتعميم والقياس.
في اليمن اليوم واقع جديد، بؤر التوتر باتت أكثر من أن تعد من تجريف الحوثيين لهوية اليمن واستغلالهم نزاعات الكتل السياسية والفاعلين على الأرض، وصولاً إلى المجموعات السياسية المتجاوزة لمنطق الدولة، والتنظيمات المسلحة ذات الفعالية الجهادية في مناطق متعددة من العالم منذ مطبخ أفغانستان، بينما تندمج اليوم مع الجغرافيا السياسية في الجنوب كما الشمال مكونة ما يسمى بالجهادية المحلّية، وهذا ما يفسر انحسار هجرات المقاتلين اليمنيين إلى مناطق التوتر في سوريا والعراق سابقاً وفي المناطق الجديدة شمال أفريقيا اليوم. شبح صالح يتجدد مع الجهاديين الذين استخدمهم في فرض واقع الانفصال دون صيغة سياسية توافقية ليتم استخدامهم اليوم من قبل الانفصاليين في محاولة لفرض الأمر الواقع دون جدوى لأنه مخالف لمنطق السياسة ومبادئ الاتفاقيات الدولية القاضية بضرورة العودة إلى الشرعية، ومن هنا فإن الخطاب الانفصالي في حال إصراره على فرض واقع جديد بقوة السلاح في طريقه إلى استنساخ تمرد ميليشيا الحوثي وإن اختلفت الدوافع.
هل أخفقت الشرعية أو تداعت قوتها؟ ربما... لكنها تبقى الخيار الوحيد ليمن واحد يتم الاستثمار فيه بعد انتهاء الحرب لبناء دولة جديدة متماسكة كجزء من الخليج لا كخاصرة تهديد لطموحات ملالي طهران للاستفادة من الموقع الاستراتيجي لليمن بوجود ممر باب المندب، وبغض النظر عن الموقف من الإخفاقات الكبرى للشرعية التي تحدثت عنها غير ما مرة والتي هي بالمناسبة لم تتجاوز أيضاً أشباح صالح التي يطاردها الجميع. وحدة اليمن اليوم وفق الواقع الجديد ضرورة وليست خياراً سواء على المستوى القانوني أو الطموح لتجاوز اليمنيين بمختلف مرجعياتهم للأقواس الضيقة الطائفية والجهوية. إعادة تجسيد الوحدة هي أهم مقدمات إعادة الأمل لليمن عبر الحوار ومن خلال فتح كل المخاوف والآمال والطموحات بين الأطراف السياسية وبشفافية تامة. يجب تجاوز ما حدث في عدن من اختلالات أمنية دافعها الشره السياسي والحديث عن المصالحة الوطنية بروح إيجابية، ومن المهم إيجاد استراتيجية طويلة الأمد لاستقرار اليمن، وذلك عبر مؤتمر مواءمة ومصالحة تقوم به دول الجوار وعلى رأسها السعودية التي بادرت إلى الدعوة لمؤتمر جدة التصالحي رغم تأكيدها الدائم على أولوية الشرعية واليمن الواحد، وهي قضايا يجب أن تحظى باحترام كل الأطراف وإن اختلفت في آليات تجسيدها، وتبقى مهام أساسية تخص باقي دول الخليج كما هو الحال مع المجتمع الدولي وأبزرها النهوض بالحالة اليمنية من مأزقها باعتبارها بوابة الاستقرار في المنطقة، إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم الكوارث التي تسبب فيها إهمال الملف اليمني سابقاً وارتفاع تكلفة المضاعفات والتبعات مع استمرار الإهمال لها اليوم.
كان صالح في وقت سابق رغم إيمانه بأن الوحدة القسرية كانت خطأ استراتيجياً فإنه حذر من الانفصال اللامسؤول وأنه سيجر اليمن والمنطقة إلى كارثة محتمة باعتباره مقدمة لحرب أهلية جهوية لبلد يقبع تحت أكثر من مائة مليون قطعة سلاح، فالوضع اليمني اليوم في اعتقادي أصعب بكثير من ذي قبل لأسباب كثيرة، بعضها يعود للجهة المطالبة بالانفصال وتمزقاتها وتحالفاتها مع تنظيمات ومجموعات مسلحة جهادية، وأخرى تعود إلى وضعية الشرعية اليوم وقدرتها على استمالة وإقناع الفاعلين في اليمن لصالح مشروعها مجدداً.
أحد أكبر مآزق مناخ الانفصال في اليمن هو أنه العامل الأول لتمدد ميليشيا الحوثي التي استغلت النزاعات الضيقة بين الأطراف السياسية والنخب الملتفة على مصالحها الحزبية؛ هذا التمدد سيتعامل معه أبناء المناطق غير الجنوبية كضمانة للخروج من تهديد الانفصال والعزلة الجهوية التي لا يريدونها في ظل المهددات للشرعية من الداخل والخارج، وغياب الدعم الدولي، كما التنديد بتمدد الحوثيين ورغبوية الانفصاليين.
في الحالة اليمنية تكمن الإشكالية في تعدد الجبهات المفتوحة أمام النظام السياسي غير المستقر والمشدود تارة إلى النظام السابق بما يحمله من قوة وثقل على الأرض، فالدولة اليمنية لا تسيطر تماماً على ما بات يعرف بالحراك الجنوبي، وهو تيار ضخم بداخله مجموعات صغيرة تهدف إلى تقويض الوحدة اليمنية ولو في شكلها الظاهري، وتطالب بالانفصال عن اليمن.
مشروع اليمن الواحد ضرورة وليس خياراً، فميليشيا الحوثي التقطت هذا المناخ المشحون وارتباك المشهد اليمني وضعف الحكومة الشرعية، وستقوم كما السابق بإعادة موضع قواتها وكوادرها كمنقذين للشعب اليمني عبر حملات واسعة النطاق وخطاب إعلامي يلعب على تراشق الشرعية والجنوبيين مدفوعين بحزمة من الداعمين في الداخل والخارج وآلة إعلام حربي ضخمة بحجم قناة «الجزيرة» التي باتت الراعي الرسمي لتثوير الحالة اليمنية ومحاولة صدع العلاقة بين التحالف من جهة وبين الأطراف اليمنية من جهة أخرى.
لمصلحة اليمن يجب أن يتدخل المجتمع الدولي لوقف صراع الديكة وحالة الشخصنة السياسية، حيث السلطة تبنى على العلاقات الشخصية عبر هيبة الدولة من جهة، المستمدة من التحالف مع سلطات أخرى منفصلة ككيانات مستقلة ومتصلة في الوقت ذاته بما تستمده من منح وامتيازات هائلة من الدولة، بل وحتى من الخارج، على اعتبار قوة تأثيرها في صنع القرار السياسي.
معضلة اليمن في إقامة شرعية سياسية جديدة خارجة عن منطق الصراع بين مراكز القوى، هذه الشرعية تُبنى على أساس المواطنة التي تحققها صيغة توافقية تمثل كل أبناء اليمن من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله، يتزامن ذلك مع إقامة اقتصاد منتج يقوم على خطط سليمة لمعالجة الفقر والتردي العام في الأوضاع. اليمن بحاجة إلى رؤية إنقاذ سياسية حتى لا تتحول المساعدات الدولية، الشحيحة أصلاً، إلى وقود لمزيد من الحرائق السياسية.
اليمن نموذج مصغر ومهم جداً لدراسته باستفاضة لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع في ظل غياب مفهوم الدولة الحديثة، وهو ما يجعل المراقبين للحالة اليمنية يتوقعون تحولاً ما غير معلوم زمنه أو مدى تأثيره.