الصدام التقني بين أوروبا وأميركا

الاثنين - 20 ذو القعدة 1440 هـ - 22 يوليو 2019 مـ Issue Number [14846]

لا تخفى الهيمنة الأميركية على القطاع التقني حول العالم على أحد، وبسبب طبيعة منتجاتها، لم تستطع الحدود والمسافات إيقاف الشركات التقنية الأميركية من التوسع عبر المحيط إلى أرجاء العالم، ويبدو أن دول الاتحاد الأوروبي ضاقت ذرعا بهذا التوسع الذي لم تستفد منه شيئا، فبدأت المنازعات بين الشركات التقنية الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي بسبب محاولات الأخيرة فرض قيود على هذه الشركات التي تمارس نشاطاتها داخل حدود الاتحاد الأوروبي.
والمحاولات الأوروبية لفرض القيود جاءت على طريقتين، كانت الأولى عبر الدنماركية «مارغريت فيستاجر» مسؤولة مكافحة الاحتكار في المفوضية الأوروبية والتي أخذت على عاتقها ملاحقة الشركات الأميركية ذات الممارسات الاحتكارية. وكان آخر هذه القضايا شركة «كوالكوم» التي اتهمت ببيع شرائح إلكترونية بأقل من سعر التكلفة بين عامي 2009 و2011 بهدف إخراج منافستها البريطانية «آيسرا» من السوق، وبعد سنوات من التحقيقات فرضت المفوضية الأوروبية غرامة قدرها 273 مليون دولار على الشركة الأميركية، واستفادت «كوالكم» من خلال ممارستها الاحتكارية بزيادة حصتها السوقية التي بلغت آنذاك 60 في المائة، أكثر بثلاث مرات من أقرب منافسيها. وليست هذه الغرامة الأولى على «كوالكوم»، فقد سبقتها غرامة قدرها 1.2 مليار دولار نالتها بسبب تقديمها حوافز مالية لشركة «أبل» مقابل استئثارها بمتطلباتها من الشرائح الإلكترونية. وليس «كوالكم» وحدها التي تعرضت لغرامات المفوضية الأوروبية، فقد سبقتها «غوغل» بدفع غرامات تعدت 9.5 مليار دولار خلال الثلاث سنوات الماضية.
أما الطريقة الثانية لفرض القيود فهي ما تسمى الضريبة الرقمية، وهي إجراءات بدأت بعض الدول الأوروبية اتخاذها ضد الشركات التي تربح من خدماتها الرقمية داخل حدودها. فعلى سبيل المثال، بدأت فرنسا في إقرار نظام يتيح لها جني 3 في المائة من عوائد الشركات التقنية التي يستخدمها الفرنسيون. وفي حال أقر هذا النظام، فسيبدأ تطبيقه من بداية 2019، وذلك بأثر رجعي. وقد تُفرض هذه الضريبة على الإعلانات والبيانات الرقمية وشركات الخدمات الوسيطة مثل «أوبر» و«إير بي إن بي»، إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث. ويزعم الفرنسيون أن النظام الضريبي الحالي والذي أقر قبل عشرات السنين لا يستطيع استيعاب المنتجات الرقمية التي تقدمها هذه الشركات، لذلك فهو بحاجة إلى تعديل حتى يستوعب جميع الشركات. وأوضحت دراسة أن متوسط ما تدفعه الشركات التقنية من الضرائب لا يزيد على 9.5 في المائة، بينما تدفع الشركات غير التقنية نسبة تزيد على 23 في المائة، وهو ما يوضح استفادة الشركات التقنية من النظام الضريبي الحالي.
وبعد محاولات فاشلة من الاتحاد الأوروبي لإقرار هذا النظام على مستوى الاتحاد بسبب رفض 4 دول مشاركة، بدأت فرنسا ودول أخرى مثل بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا في إقرار أنظمة ضريبية مستقلة ضد الشركات التقنية. وتتشارك هذه الدول في وجهة نظر واحدة، وهي أن الشركات الأميركية تستفيد من سكان الدول الأوروبية بتحقيق أرباح هائلة، ومن ثم دفع الضرائب في دول تعطي حوافز ضريبية للشركات مثل إيرلندا. وعلى ذلك فالدول الأوروبية ترى أن تحدد الضرائب بحسب دولة المستخدمين، وليس بحسب مقر الشركة. وقد تكون فرنسا أول من يطبق هذا النظام، بينما يتوقع أن يبدأ تطبيق ضريبة قدرها 2 في المائة في بريطانيا بداية من الربع الثاني من العام القادم (وهو تاريخ بداية السنة المالية في بريطانيا).
وكما هو متوقع، فلن تقف أميركا مكتوفة اليدين وهي ترى شركاتها تتعرض لهذه الضرائب والغرامات، خاصة أن هذه الضرائب سوف تفرض على عوائد الشركات وليس على أرباحها مما يعني فرصا أقل للتلاعب من الشركات. وقد أقرت الإدارة الأميركية تحقيقا يختص بالضرائب والغرامات الأوروبية المفروضة ضد الشركات الأميركية. وفي حال توصل هذا التحقيق إلى نتيجة تظهر تعسف الإجراءات الفرنسية، فقد تقوم الإدارة الأميركية بفرض رسوم انتقامية على الشركات الفرنسية. وقد كان هذا الإجراء الأميركي بداية الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، والذي استندت عليه الولايات المتحدة دستوريا بفرض رسوم جمركية على السلع الصينية. ولا يبدو أن الدول الأوروبية تبالي بالاحتجاجات الأميركية ضد مد شركاتها التقني، فهي ترى أن لها السيادة في فرض أنظمتها على الشركات التي تعمل ضمن نطاقها الجغرافي، خاصة أن هذه الأنظمة لن تفرض على شركات أميركية فقط، فبحسب النظام الفرنسي، قد تفرض الضرائب على أكثر من 30 شركة، منها شركات بريطانية وألمانية وصينية وفرنسية أيضا! وليست أميركية فقط.
إن عمل الشركات الأميركية التقنية داخل أوروبا يعطي الولايات المتحدة قوة ناعمة داخل الاتحاد الأوروبي، ولا يبدو أن أميركا تمانع في استخدام هذه الميزة إذا لزمها الأمر، تماما كما فعلت مع الصين حين منعت الشركات الأميركية من التعامل مع «هواوي». وامتلاك الولايات المتحدة للكم الهائل من المعلومات التي توفرها الشركات التقنية الأميركية يعني امتلاكها ميزة على الأوروبيين، ولعل هذا ما يقض مضجعهم، وما يجعلهم يحاولون إيجاد نقطة ضغط على الشركات التقنية بفرضهم القيود عليها.