حكومة جديدة في العراق: نادي الأنانية

حكومة جديدة في العراق: نادي الأنانية

الجمعة - 18 ذو القعدة 1435 هـ - 12 سبتمبر 2014 مـ رقم العدد [13072]
أمير طاهري
صحافيّ وكاتب ايرانيّ مثقّف لديه اهتمامات واسعة بشؤون الشّرق الاوسط والسّياسات الدّوليّة

يوجد خبر جيد بأن العراقيين نجحوا في تشكيل حكومة جديدة في فترة أقصر بكثير مما اعتادوا عليه منذ سقوط صدام حسين في عام 2003. ولكن الخبر السيئ هو أن الحكومة الجديدة التي يرأسها حيدر العبادي، تبدو وكأنها نادٍ للأنانية بدلا من أن تكون مجموعة عمل تهدف إلى التعامل مع المشاكل العديدة التي تواجه العراق.
ربما يكون لدينا استعداد للثقة في الحكومة الجديدة رغم شكوكنا، إلا أنه ليس من الحكمة تجاهل نقاط ضعفها الأساسية.
تتعلق نقطة الضعف الأولى بتشكيلها ذاته.
من المخطط أن يقوم مجلس وزراء العبادي في الأساس بمهمتين؛ إرضاء الفصائل الشيعية والسنية والكردية المنافسة، ومنح الشخصيات الأساسية في الساحة السياسية العراقية في مرحلة ما بعد صدام مناصب عليا. نتيجة لهذا الاعتبار الثاني، يملك العراق رقما قياسيا في عدد نواب الرئيس ونواب رئيس الوزراء، ناهيك عن 10 أو أكثر من الساسة العاطلين الذين يصطفون للحصول على مناصب كـ«مساعدين» لرئيس الوزراء.
ما يحتاج إليه العراق، ولا يزال في حاجة إليه، هو حكومة وحدة وطنية تتجاوز الانقسامات الحزبية وتركز على مشكلتين ملحتين: هزيمة داعش، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة من قانون ونظام في الدولة.
بيد أنه لم تتم تغطية هذين الهدفين الرئيسيين نظرا لأن العبادي فشل في اختيار من يتوليان منصبي وزير الدفاع ووزير الداخلية. اختار العبادي وزراء لجميع الحقائب الأخرى، بما فيها الثقافة والبيئة وحتى التخطيط، ولكن ليس لديه مرشح لإعادة تنظيم القوات المسلحة واستعادة سلطة الدولة في جميع محافظاتها البالغة 18 محافظة.
أما نقطة الضعف الثانية في الحكومة الجديدة فهي أنها تشكلت على أساس اعتبارات تكتيكية، ناهيك عن المساومات القاسية، بدلا من تلبية الاحتياجات الاستراتيجية لدولة مزقتها الحرب. صمم العبادي الآلة ووعد بأن يخبرنا، والبرلمان العراقي، ماذا من المفترض أن تصنعه هذه الآلة في وقت لاحق.
وتكمن نقطة الضعف الثالثة في أنه على أفضل تقدير، من بين 30 شخصا يشكلون الإدارة الجديدة، منهم نواب رئيس، أمضى نصفهم على الأقل فترة خارج العراق أطول مما قضوه بداخله. ومنهم من كان يسكن في عمان وطهران وإسطنبول ولندن، وغيرها من المناطق، وكانوا يسافرون إلى بغداد مرة أو اثنتين في العام.
وحتى هؤلاء الذين أمضوا فترة طويلة في العراق، يبقي كثيرون منهم عائلاتهم في الخارج. ولكن بمجرد أن يصبح للسياسي وطنان، يتحتم على أحدهما أن ينزوي. يجب أن يقيم أي سياسي عراقي في بغداد أو الموصل أو أربيل أو البصرة أو أي مكان آخر داخل العراق، بمعنى أن العراق يجب أن يظل على صلة مباشرة مع حياته وحياة عائلته.
تكمن نقطة الضعف الرابعة لدى مجلس الوزراء في أنه يوفر مجالا ضيقا للجيل الجديد من السياسيين العراقيين المحليين لفترة ما بعد التحرير للمطالبة بنصيب من السلطة. يضم هذا المجلس الكثير من المنفيين السابقين، وليس به ما يكفي من الرجال والنساء المحليين من ذوي الروابط العضوية بأحيائهم التي يعيشون فيها.
ونقطة الضعف الخامسة تكمن في الأهمية الممنوحة لإرضاء القوى الخارجية بدلا من صياغة سياسة خارجية جديدة تهدف إلى استعادة موقف العراق بصفته مساهما في السلام والاستقرار الإقليمي. ونتيجة لذلك، يضم مجلس الوزراء أفرادا يهدفون إلى إرضاء القوى الأميركية، والعربية، والإيرانية، ولا يضعون مصالح العراق نصب أعينهم على الدوام.
والنتيجة أننا لدينا الآن تحالف من القوة الأجنبية ضمن تحالف الفصائل المحلية. والأسوأ من ذلك، هناك فصائل داخل الفصائل المحلية مثل الشيعة، والسنة، والأكراد، وهي غير قادرة على التوافق على الاستراتيجيات العامة ولا حتى بالنسبة للمجتمعات التي يمثلونها. إن الخيوط الممتدة من كثير من البكرات تخلق تشابكات غير مقدسة.
وهناك، بطبيعة الحال، بعض الرجال الطيبين وبعض الوطنيين في الحكومة الجديدة، لا توجد أي فائدة من تسميتهم بأسمائهم؛ حيث إننا لم نسمِّ أولئك الذين لدينا تحفظات جدية تجاههم.
ورغم خيبة الأمل، فإن مجلس الوزراء الجديد يستحق إعطاءه فرصة.
يتعين أن يحدد أولوياته التي تتمثل في كسب تأييد في البرلمان ومن الدولة ككل، والتركيز على تحقيقها.
وينبغي أن يكون على رأس أولويات مجلس الوزراء الجديد إخراج «داعش» من الإقليمين أو الثلاثة حيث بدأت أعمالا تجارية. وهذا يقتضي من العراق أن يكون في مقعد القيادة وليس قيامه بدور الحليف للولايات المتحدة أو أي قوى أجنبية أخرى.
من أجل اضطلاع العراق بهذا الدور، يتعين على العراقيين إيجاد السبل التي تمكنهم من العمل معا بما يتجاوز الانقسام العربي - الكردي، الذي لا يتعين الالتفات إليه في ظل هذه الظروف. تفكك العراق من شأنه أن يضع نهاية لكل الأحلام بالاستقلال التي ربما يطمح إليها بعض القادة الأكراد.
وفي الوقت ذاته، يتعين أن يدرك الشوفينيون العرب أنه انتهى الوقت الذي يمكن أن يُعامل فيه الأكراد باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية؛ حيث تمكن عراق ما بعد صدام من إعادة بناء وحدته فقط من خلال التنوع وليس من خلال التجانس الذي فرضه الإرهاب.
لا يزال من الممكن التمتع بنظرة تفاؤلية بشأن العراق لسببين؛ الأول أنه رغم الجهود المبذولة من جانب البعض لسنوات، فإن آلية القمع - التي تحطمت بسقوط صدام - لم يجر إحياؤها. وفي عراق اليوم، لا تتركز السلطة في أيد قليلة. ضعف السلطات الحكومية في بغداد وعلى صعيد الأقاليم يعني زيادة مناظرة في قوة المجتمع المدني.
ورغم أن الإدارات المتتالية حاولت تقديم رشى أو ترويع منتقديهم، فإن وسائل الإعلام العراقية الجديدة متنوعة بما يكفي ليحول دون سرد رواية واحدة.
أما السبب الثاني فيكمن في التنوع الذي يسود أروقة البرلمان العراقي، الذي يضم بعض السياسيين الشباب ممن يرغبون في رؤية بلادهم تبتعد عن نظام الإرهاب والفساد في أسرع وقت ممكن.
وأخيرا، يمكن للمرء أن يأمل أن يستغل الرئيس الجديد، الذي يتمتع بشخصية غير متكلفة، منصبه بوصفه منبرا ممتازا للتحدث باسم العراق ككل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة