بين الشيخوخة والشبيبة

الأحد - 14 شهر رمضان 1440 هـ - 19 مايو 2019 مـ Issue Number [14782]

من أكثر الأبيات الشعرية التي نستشهد بها في الإشارة إلى الشيخوخة ونعي الشباب، البيت القائل:
ألا ليت الشباب يعود يوماً
فأخبره بما فعل المشيب
لقد أصبح قولاً مأثوراً يعبر عن فاجعة فقدان الشباب وعجز الشيخوخة. وهي الفاجعة التي تتردد في كثير من الأشعار والأمثال كالقول العامي: «ابن الستين مسكين وابن الشايب يتيم». ويقولون في اليمن: «من بلغ السبعين شكا من غير علة». وكم وقف الشعراء والأدباء على هذه الظاهرة التي ورد لها ذكر كثير في مسرحيات شكسبير، والتي ربما تنم عن شقاء الشاعر بها ومعاناته منها. قال على لسان تشارلز الثاني في المسرحية التي تحمل هذا الاسم: «لقد أضعت الزمن، والآن راح الزمن يضيعني!»، وفي القصيدة الملحمية «حجيج شايلد هيرالد» يقول اللورد بايرن:
مرور السنين يسرق الوهج
من العقل والقوة من الأطراف
فلا تتألق كأس الحياة الزاهرة
إلا على أطراف حافته
بيد أن الكثير من أصحاب القول والحكمة عبروا عن ظاهرة عجز الشيخوخة بشيء من السخرية والظرف. كما جاء في قول العراقيين وأبناء الخليج: «السبع إذا شيب تضحك عليه الواوية»! و«الواوية» جمع «الواوي» وابن آوى. ويقولون أحياناً «تقشمر» (تسخر) عليه «الواوية». وهذا مثل يوازي قول الشاعر:
أربٌّ يبول الثعلبان برأسه
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
و«الأربُّ» (بتشديد الباء) هو الرجل الذي تساقطت أعضاؤه وتعطل دهاؤه. و«الثعلبان» هو ذكر الثعالب. والكلمات «بالت عليه الثعالب»، أصبحت بذاتها مثلاً من الأمثال الشائعة.
وللمثل ما يطابقه في قول أبناء الجزيرة العربية: «إذا كبر البس صار مسخرة للفيران». أما أصل المثل «السبع إذا شيب تضحك عليه الواوية»، فيروي الأستاذ زلزلة أنه يعود إلى حكاية من حكايات عالم الحيوان؛ يقال إن ابن آوى دخل في خدمة أحد الأسود، فكان يلبي طلباته ويسهر على حاجاته. ويأكل مما يتركه الأسد. بيد أن الشيخوخة أدركت السبع، فلم يعد قادراً على الصيد، فالتمس منه ابن آوى أن يأذن له بالخروج ليتصيد، ويأتي بالطعام بنفسه. فأذن له بذلك. فخرج الثعلب إلى بطون الغابة، حيث صادف غزالاً. اقترب منه وكلمه كلام الصديق الناصح، وقال له: لماذا تتعب نفسك بالجري من مكان لآخر بحثاً عن الطعام والماء. أنا أدلك على مكان فيه عشب كثير. فاستمع له الغزال وقال: هيا دلني عليه. فقاده الثعلب إلى عرين الأسد الذي هجم عليه وقتله. ثم قال للثعلب: قف هنا واحرس الغنيمة حتى أذهب وأغسل يدي. ما إن خرج الأسد حتى نظر الثعلب فرأى كل هذا اللحم اللذيذ فأكله. وعندما عاد الأسد لم يجد شيئاً من الغزال، فسأل الثعلب: أين لسان الغزال؟ فقال: إنه كان أخرس. سأله: وأين أذنه؟ فقال: كان أطرش. وأين قلبه؟ قال: كان أعمى القلب. سأله: وأين مخه؟ قال: لو كان عنده مخ لما صدقني وتبعني لهذا المكان. فقال له الأسد: تريد «تقشمرني»؟ فهجم عليه وأكله.