سيد قطب والأمير عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود

الأحد - 14 شهر رمضان 1440 هـ - 19 مايو 2019 مـ Issue Number [14782]

غلاف العدد الحادي عشر حمل صورة كبيرة لعلم مصر في العهد الملكي وفي أسفله رسم لرجلين من الحرس الملكي متقابلين يرتديان الزي الفرعوني، وكل منهما ينفخ في بوقه، وفي أعلى الغلاف من جهة اليمين وضمن دائرة صغيرة صورة الملك فاروق، وفوق الدائرة رسم للتاج الملكي المصري. هذا الغلاف كان بمناسبة عيد ميلاد الملك فاروق. الصفحة الأولى من هذا العدد كانت صفحة إعلانية، إذ هنأته في هذه الصفحة محلات «شيكوريل»، وشركة «عكاوي»، وشركة «الدلتا التجارية»، و«مكتبة الهلال»، و«مصانع صابون نقولا كحلا بك»، وهنأه «بنك مصر»، بعيد ميلاده، أي أن هذه المناسبة الملكية كانت فرصة للمجلة لتربح منها مالياً. وأما موضوع الغلاف، فكان «النهضة التعليمية في وادي النيل»، كتبه القانوني الشهير عبد الرزاق السنهوري، الذي كان وزير المعارف آنذاك.
غلاف العدد الثاني عشر يحمل صورة كُتب أسفلها الإمام الراحل يحيى بن حميد الدين ملك اليمن، وموضوع الغلاف كان تغطية صحافية عنوانها «الانقلاب السياسي في اليمن». وتضمنت هذه التغطية الصحافية الموضوعات التالية: مصرع الإمام يحيى، أسباب الانقلاب، ثورة الأمير أحمد، وساطة الجامعة العربية. موضوع أسباب الانقلاب في هذه التغطية الصحافية هو نص رسالة خاصة تلقتها المجلة «من سمو الأمير سيف الحق إبراهيم من عدن يبسط فيها الأسباب التي حملته على مغادرة اليمن إلى عدن أثناء حكم والده، وتفكيره الجدي في ضرورة تغيير الوضع القائم في وطنه، على الرغم من أن والده وأحب الناس إليه على رأس تلك الدولة». كتب هذه التغطية الصحافية يوسف شحاتة، وكان موقفه السياسي فيها موقفاً محايداً من أطراف هذا النزاع السياسي المسلح.
كُنت قد قلتُ في مقال «تفسير معلول وعليل ومعتل»: «وقد قال الغلاف عنه الراحل، لأنه أشيع في عام 1947، أن الثوار قتلوه، ولم يكن هذا الخبر وقتها صحيحاً، فالثوار قتلوه عام 1948».
ارتكابي لهذين الخطأين المعلوماتيين له سببان: الأول أنني وأنا أتصفح المجلد الذي ضمّ العدد الذي تضمن تلك التغطية الصحافية في «مركز سعود البابطين الخيري للتراث والثقافة»، لم ألقِ نظرة على سنة صدوره على اعتقاد مني بأنه من الأعداد الصادرة في سنة 1947، والثاني أنني اكتفيت بقراءة عناوين التغطية مع إعادة كتابتها في وريقة صغيرة، ولم أقرأ موضوعاتها، لأنني لم أكن في صدد عرض ما جاء فيها لكم. ولأنني تَوهمت أن ذلك العدد صادر في عام 1947، وليس في عام 1948، اختلطت عليَّ الذاكرة، فارتكبتُ الخطأ الثاني، وهو قولي: «لأنه أشيع في عام 1947 أن الثوار قتلوه، ولم يكن هذا الخبر وقتها صحيحاً...». والصحيح أن محاولة اغتياله الفاشلة كانت في 15 يناير (كانون الثاني) عام 1948، أي قبل اغتياله بشهر ويومين.
لا أقصد هنا أن أبرر أو أسوغ حدوث ذينك الخطأين المعلوماتيين، وإنما القصد شَرْح كيف حدثا، مع سوق الاعتذار للقارئ الكريم، لأنه كان يجب عليّ التثبت من تاريخ إصدار العدد، وقراءة موضوعات تلك التغطية، حتى لو لم أكن في وارد عرض ما جاء فيها.
نعود إلى ما كنا فيه، فأقول: يتبين لنا من عرض موضوعات الأعداد التي حملت أغلفتها صوراً لملوك عرب أن شريف يونس قدمها على نحو مضلل. وهذا التقديم المضلل كان على شقين: الأول أن مجلة «العالم العربي» بعد سيد قطب تحولت إلى أداة لمدح ملوك العرب ملكاً ملكاً بالتتابع، كما لو كانوا رموز العروبة. وهذا الشق فرغنا للتو من بيان قدر الضلال وحجم التضليل فيه. والآخر أن المجلة كانت تحتفي بالملوك العرب وتهمل رؤساءهم الجمهوريين.
ولا أدري إن كان هو غفل أو تغافل عن معلومة تاريخية نعرفها منذ أن كُنّا طلاباً في المرحلة الابتدائية وفي المرحلة المتوسطة، وهي أن الدول العربية في ذلك الوقت التي كانت دولاً مستقلة وأعضاء في جامعة الدول العربية عددها سبع؛ خمس منها ذات نظام ملكي، وهي: مصر والسعودية والأردن والعراق واليمن، واثنتان منها ذات نظام جمهوري، وهما سوريا ولبنان. فالأكثرية كانوا ملوكاً ولم يكونوا رؤساء جمهوريين. هذا أولاً.
وثانياً، ذكرنا في المقال السابق والمقال الذي قبله أن العدد العاشر حمل غلافه صورة الرئيس الجمهوري شكري القوتلي، وكان هو موضوع العدد، ولأني لم أتوفر على الأعداد كاملة، فلا أستطيع أن أقطع بأن عدداً من أعدادها كان موضوعه رئيس لبنان بشارة الخوري أو رئيس الوزراء اللبناني رياض الصالح.
إن تفسير شريف يونس للخلاف بين سيد قطب، رئيس تحرير مجلة «العالم العربي»، ويوسف شحاتة، مالكها، بأن سيد قطب رفض تحويل المجلة إلى أداة مدح لملوك العرب... إلخ. ليس إلا تخيلات وتهيؤات وأوهاماً ماركسية ثورية تتنافى مع واقع سيد قطب العملي، وتتناقض مع معتقداته السياسية في ذلك العقد. وسأثبت ما أقوله بثلاث وثائق تاريخية.
الوثيقة الأولى وردت في كتاب الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري «لسراة الليل هتف الصباح: الملك عبد العزيز، دراسة وثائقية»، الصادر عن دار «رياض الريس للكتب والنشر»، عام 1997. فبعد مغادرة الملك عبد العزيز الأراضي المصرية في الثاني والعشرين من يناير عام 1946، كتب سيد قطب مقالاً بتاريخ 31 يناير عام 1946، في مجلة «الاثنين»، كان عنوانه «فضيحة... من هو المسؤول؟»، قال فيه: «ليس لها إلا (الفضيحة)، وقد وقعت مع الأسف في استقبال العاهل العربي العظيم، الذي تهيأت مصر لاستقباله بما لم تستقبل به أحداً من قبل؛ فمَن يا ترى هو المسؤول؟ لقد وددتُ أن أسكت حتى تنتهي الزيارة الكريمة، ولكني خفت أن تُتهم مصر في ذوقها، في حين أنها بريئة، وأنها (عملة) ذهن عامي كليل. ولا بد أن كثيراً من الضيوف الكرام قد لحظ هذه الفضيحة، فمن حق مصر أن أبرئها من (عملة) هذا الذهن العامي الكليل.
في مصر شعراء والحمد لله - فلم تعقم بعد - وشعور هؤلاء الشعراء فياض بالحماسة والحب والتكريم للعاهل العظيم، ولكن ذهناً عامياً كليلاً في محطة الإذاعة، أو في غيرها، أراد أن يختار قطعة تغنيها مطربة الشرق العربي أم كلثوم، فلم يجد أن شعور مصر الدافق كله يستطيع أن ينشئ قطعة مناسبة لهذا الغرض الكريم، فبحث وبحث حتى وجد قطعة للمرحوم شوقي بك - قيلت في مناسبة المولد النبوي - فاختار أن تغنيها لتحيي بها الملك العظيم. ولكن القطعة - وهي في مناسبة خاصة - لا تحوي نصاً صريحاً يتفق مع المناسبة الحاضرة. وهنا يتفتق ذلك الذهن العامي الكليل عن حيلة طريفة؛ يستدعي شاعراً معاصراً، هو الأستاذ محمد الأسمر لينظم أبياتاً تلصق بأبيات شوقي، وتفي بهذا الغرض الجديد!
يا للذكاء!! أيجرؤ ذلك الذهن العامي على اتهام الشعراء المعاصرين أجمعين بأنهم لا يستطيعون الوفاء بمناسبة حاضرة كريمة تهز شعورهم وشعور المصريين أجمعين؟
من المسؤول عن هذه الفضيحة؟ وهل يصلح مثل هذا الذهن العامي الكليل للإشراف على مثل هذه البرامج الخاصة بمناسبة عظيمة لا تمر كل حين؟! سؤال يوجهه الأدب والذوق والكياسة للمسؤولين!».
هذا المقال (بما تضمنه من عبارات الإجلال للملك عبد العزيز وعبارات الحفاوة بزيارته التاريخية إلى مصر) الذي أنا متأكد أنه (بالمعنى المصري) سيحرق دم شريف يونس حين يقرأه، كتبه سيد قطب قبل أن يعينه يوسف شحاتة رئيس تحرير مجلة «العالم العربي»، بما ينوف على العام بثلاثة أشهر.
الوثيقة الثانية وردت في كتاب سليمان بن محمد الحديثي: «الأمير عبد الله بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود: سيرة تاريخية وثائقية»، الصادر عن «دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع» عام 2014. هذه الوثيقة هي رسالة شخصية كتبها سيد قطب بخط يده على ورقة من أوراق مجلة «العالم العربي» الرسمية، إلى الأمير عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود. وهذا الأمير هو أخو الملك عبد العزيز. وهذا هو نص الرسالة الشخصية التي كتبها بتاريخ 25 شعبان 1366ه، 14 يوليو (تموز) 1947م:
«حضرة صاحب السمو الأمير الجليل عبد الله بن عبد الرحمن:
بعد عظيم احترامي وإجلالي لسموكم، أكتب إليكم شاكراً ما لقيته وما لقيته مجلة (العالم العربي) من عطف كريم وتشجيع سامٍ. وأنهي في الوقت ذاته إلى سموكم - مع الأسف أنني اضطررت لترك رياسة تحرير هذه المجلة - لأن أصحابها - وهم من التجار الوراقين - أغراهم ذهب الدعاية، فأرادوا أن ينحرفوا بها عن أهدافها القويمة والخلقية العالية، بما لا يتفق مع خطتي في الحياة، فاضطررت أن أتركها لهم يصرّفونها في الطريق التي يريدون. وكان لزاماً علي أن أنبئ بذلك أولئك الذين تفضلوا بتشجيعي ومؤازرتي وعلى رأسهم سموكم، فكتبت هذا إليكم، راجياً قبول خالص إجلالي. المخلص سيد قطب. مصر - حلوان».
يعلق سليمان الحديثي على هذه الرسالة، فيقول: «يبدو أن الأستاذ سيد قطب يلمح إلى الأمير كي يوقف دعمه لهذه المجلة، بعد أن ترك رئاسة تحريرها»! وأضيف أنه (بذمه الأخلاقي لأصحابها) يلمح إلى الأمير أيضاً، بأن يوقف اشتراكه فيها!
يقول سليمان الحديثي: «من المحتمل أن التعارف بين الأمير عبد الله والأستاذ سيد قطب كان في أثناء زيارته الأولى لمصر مع الملك عبد العزيز في شهر صفر من عام 1365ه. فالرسالتان السابقتان كُتبتا بعد هذه المرحلة». الرسالة الأخرى كما لخص موضوعها هي «تزكية وتعريف بطبيب مصري اختارته الحكومة السعودية للعمل لديها، وهو الدكتور أحمد حسيب الحكيم».
ومع أن سليمان الحديثي لم ينشر نص هذه الرسالة في ملحق وثائق كتابه، فإنه تفضل بتزويدي بصورة منها، وتلطف وأذن لي بنشرها، وسآتيكم بنصها، لأنها ذات معنى في إثبات ما قلته عن تفسير شريف يونس لسبب الخلاف بين سيد قطب ويوسف شحاته. نص هذه الرسالة (وهي الوثيقة الثالثة) هو، كما يلي: «حضرة صاحب السمو الأمير الجليل عبد الله بن عبد الرحمن:
أقدم لسموكم خالص إجلالي وعظيم احترامي، ثم أتشرف بأن أقدم إليكم حضرة الطبيب المصري الفاضل الدكتور أحمد حسيب الحكيم، الذي وقع عليه اختيار الحكومة السعودية العربية للعمل في المملكة. وقد أحسنت الاختيار كل الإحسان. أقدمه لسموكم راجياً أن ينال رعايتكم وعطفكم، ويحظى برضاكم السامي وعنايتكم، وأن تتفضلوا سموكم، فتقبلوا خالص إجلالي وتحياتي. المخلص سيد قطب». هذه الرسالة كتبها بعد أسبوع من كتابته الرسالة الأولى. وللحديث بقية.