حتى أنت يا ساتلوف

حتى أنت يا ساتلوف

الأحد - 14 شهر رمضان 1440 هـ - 19 مايو 2019 مـ رقم العدد [14782]
نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني
معهد واشنطن لشؤون الشرق الأوسط، من أكثر وأهم المؤسسات الأميركية متابعة للملف الفلسطيني الإسرائيلي أولاً، ولسائر ملفات الشرق الأوسط، على رأسه ثلاثة سياسيين وخبراء؛ روبرت ساتلوف ودينيس روس وديفيد ماكوفسكي.
ولهذا المعهد إسهامات نوعية في تقديم الأفكار للإدارات الأميركية، إضافة إلى الاضطلاع بتنفيذ السياسات التي تولاها بشكل مباشر السيد دينيس روس أكثر الدبلوماسيين الأميركيين شهرة في الشرق الأوسط.
منذ بداية الحديث عن صفقة القرن وفي المراحل الأولى لإعدادها كان للمعهد آراء موضوعية مستمدة من خبرة رؤسائه في أزمات الشرق الأوسط، وخبرة أهم في أسباب فشل سياسات ومبادرات الإدارات الأميركية إزاء الملف الفلسطيني تخصيصاً، فهذا الملف جسد مجمعاً لفشل متواصل لبلوغ حل مؤقت أو نهائي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.
ومن هذه الخلفية وبفعلها تؤخذ مقترحات وأفكار المعهد على محمل الجد بصرف النظر عن درجة اعتمادها والتقيد بها من قبل الساسة المحترفين في الخارجية والبيت الأبيض وغيرهما من المؤسسات السيادية.
قبل أسابيع قليلة من التوقيت الافتراضي لنشر النص الرسمي لصفقة القرن أدار رئيس المعهد روبرت ساتلوف حواراً صريحاً مع جاريد كوشنير، خلص منه إلى استنتاجات كانت كافية لأن تحمل ساتلوف على كتابة مقال موسع في مجلة «أميركان إنتريست» يحمل عنواناً صارخاً يجسد رفضاً قوياً للصفقة، ودعوة صريحة لسحبها قبل أن تقود أميركا إلى كارثة. ومن الخلاصات اللافتة للمقالة نصيحة ساتلوف لنتنياهو ولبعض من الشخصيات القريبة من الرئيس ترمب والمؤثرة في قراراته بأن يقنعوه بسحب الصفقة قبل أن تلقى مصيرين بائسين؛ الأول أن تضعها إدارة أخرى في أرشيف المقترحات الفاشلة، والثاني أن تتخذ أو بعضاً منها كسياسة رسمية للولايات المتحدة، مما سيؤدي إلى إطالة أمد الصراع وزيادته تعقيداً، فضلاً عما ستخلق من ردود فعل في غير مصلحة الولايات المتحدة على مستوى أصدقائها وحلفائها في الشرق الأوسط.
ما خلص إليه ساتلوف في مقالته وحواره مع كوشنير، ليس وجهة نظر فنية تصدر عن خبراء يقدمون دراسة أكاديمية حول حالة هي الأشد تعقيداً على مستوى القضايا الدولية المستعصية، بل إنه جسد خلاصة سياسية يعتنقها كثيرون في الولايات المتحدة ذاتها وفي إسرائيل كذلك.
قبل اطلاعي على مقالة ساتلوف، تابعت وما زلت المعالجات الصحافية والسياسية الإسرائيلية المسبقة لصفقة القرن، ولمست تحفظات جدية عنها من خلال ما تسرب عنها من معلومات، وهؤلاء يتساوقون في التحليل والخلاصة مع ما ذهب إليه ساتلوف وإن بوتائر لغوية مختلفة، ويدعون إلى تأجيلها أو حتى سحبها، وهذا يقطع بأن الصفقة المرتقبة لن تكون أرضية مقبولة للتفاوض، بل ستكون عملياً مجرد وجهة نظر أميركية سوف تلتهمها كثبان الشرق الأوسط المتحركة والقاتلة لكل المبادرات، خصوصاً الأميركية منها.
ولو قمنا بتوسيع الدائرة قليلاً لتشمل التطورات المستجدة في منطقة الخليج على ضوء التحرش الإيراني والارتفاع التدريجي لدرجة الحرارة السياسية هناك، والمترافق مع ارتفاع لحدة التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، فإن صفقة تسوق على أنها ستغير الوضع في الشرق الأوسط وتنتج حالة من استقرار راسخ ومصالحات تنهي النزاعات التاريخية وتقضي على كل بؤر التوتر والحروب... صفقة كهذه ستؤدي حتماً إلى مزيد من التعقيدات في منطقة شديدة التعقيد أصلاً.
لقد أفصح ساتلوف عن أن كوشنير أبلغه بأن والد زوجته لم يطلع حتى الآن على الصفقة، وهذا يثير تساؤلاً منطقياً... ترى وبعد أن يطلع عليها هل سيربت على كتف صهره داعماً ومتبنياً ومتحمساً، أم سيفكر في نصيحة ساتلوف بسحبها قبل أن تقود أميركا إلى كارثة.
أستنتج بأن كلمة زوج الابنة حتى لو كانت خاطئة ستعتمد عند والد البنت، حتى لو كان ما يقوله ساتلوف منطقياً ومقنعاً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة