عين في الجنة وعين في النار

عين في الجنة وعين في النار

الأحد - 8 شهر رمضان 1440 هـ - 12 مايو 2019 مـ رقم العدد [14775]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.
«عين في الجنة وعين في النار» سمعتها من «الدادة» رتيبة، السيدة النوبية المحبوبة لأطفال الروضة (مدرسة بين الحضانة والابتدائية) في شارع فؤاد بالإسكندرية عقب الحرب العالمية الثانية، بابتسامتها الدائمة وصبرها الذي لم ينفد.
«فلاش باك» سبعة عقود من التجارب لاسترجاع معلومات الطفولة.
عين في الجنة وعين في النار، علمتني السنون القاسية ما قصدته الدادة التي لم يرتفع صوتها أبدا لتنهر الأطفال (بينما تتولى تنظيفهم واصطحابهم للحمام لتغيير الملابس) كما فعلت «الميس» الإنجليزية و«السينيورة» الإيطالية.
السيدة النوبية المكلفة المهام المتواضعة التي أنفت عنها المعلمات، قصدت التنبيه إلى محاولة السير على ضفتي جدول ماء ضيق فقد تتفاجأ بخيار صعب عند نقطة تفرع مجرى الماء إلى تيارين متدفقين.
كنا أطفالا متعددي العرقيات والطوائف والأديان، تعلمنا من الدادة الفقيرة التي تغير اليونيفورم الأوروبي إلى «الملاءة اللف» السوداء في نهاية اليوم، ما خزنته عقولنا، باطنا وواعيا، أضعاف ما تعلمناه من المعلمات الشبيهات بنجمات هوليوود و«الأبلات» السكندريات بنات الذوات خريجات المدارس الفرنسية والجامعات الأوروبية.
الدادة رتيبة لم تتسلم الشهادة من بروفسير لتضيق نظرتها للعالم من زاوية تخصصها الدراسي، ولم تدرس في معامل التجارب أو تدفن رأسها في مجلدات المكتبات الأسطورية، وإنما اكتسبت دكتوراه الحياة من الشوارع والحواري والأزقة التي كنستها أقدامها بحثا عن الرزق أو مساعدة الفقراء أمثالها، والأسواق التي نازلت فيها الباعة في معارك كلامية (يسميها السكندريون «الفصال») لتخفيض ثمن أقة الخضار بضعة ملاليم، والمطابخ التي عملت بها إضافيا لإعداد وجبات الطبقة المتوسطة.
كان ناس الإسكندرية وقتها قوس قزح من أطياف البشر والأجناس وتسمع في جملة واحدة في السوق خليط بضع لغات من الشرق والغرب والشمال والجنوب «اسكندرها» اللسان الجماعي للمدينة اليونيفرسالية.
لماذا تسربت قيم كحب الناس على اختلاف ألوانهم وملامحهم، وقبول ما ترميه الحياة في وجوهنا من متاعب بالبشاشة والنكتة، إلى عقولنا الصغيرة، لتبقى أطول مما تعلمناه في مئات الساعات في الفصول الدراسية مع المعلمات خريجات الجامعات في الفترة نفسها، وبعدها آلاف الساعات في المدارس والجامعات الباهظة المصاريف؟
لأن الدادة رتيبة شاركتنا الأسرار الصغيرة التي أخفيناها عن المعلمات، وأعدت لنا أكواب اللبن ووجبات الطعام في مطبخ «روضة الملك»، وذهبت معنا إلى الحمام لتغيير ملابس الطفل وهي تحفظ كرامته كاملا دون أن تشعره بالذنب.
شجعتنا على الإثارة والمغامرة ولهو الأطفال الذي يكبت في الفصل وفي البيت، حيث كان الانضباط الأخلاقي وقتها لا يسمح بمجرد رفع الصوت أثناء وجود الأب. لم تمنعنا من الغناء وتبادل الدعابات مع الأسطى كوستا سائق حافلة المدرسة اليوناني، وصبري صبي المكوجي الذي يوصله في الطريق مخالفة للتعليمات.
تركت حكمتها في عقولنا الانطباع الدائم لأنها كانت قطعة من الإسكندرية، المدينة المتوسطية، الأوروبية المعمار والأزياء والملامح، الهيللينية الثقافة، التابعة إداريا لمصر، بينما عالمية اقتصاديا وإثنوغرافيا.
كان حنان وحكمة رتيبة ساحة الحرية المفقودة وراء أسوار المدرسة، وقيود البيت المنضبط رغم أنها، كالغالبية الساحقة من أبناء المدينة العريقة، نوبية الأصل من المهاجرين.
لندن مدينتي الثالثة (برايتون الساحلية في جنوب إنجلترا كانت الثانية لإتمام الدراسة الثانوية) شابهت الأولى، إسكندرية، في كوزموبوليتيتها وتعدد أجناسها من المهاجرين، لكنها أقل تسامحا ربما لاتساعها متروبوليا وأشد تناقضا في سياستها لتعدد وتضارب الأحزاب السياسية فيها.
ولا تعكس المجتمع الإنجليزي كعينة ممثلة لبريطانيا بشريا مثلما كانت الإسكندرية قبل 1960 لا تعكس المجتمع المصري وليست عينة ممثلة بشريا لمصر.
تذكرت قول رتيبة «عين في الجنة وعين في النار» في الحال الذي وصل إليه الحزبان الكبيران، المحافظون والعمال، وهما أساس العمل الديمقراطي في أم البرلمانات، وستمنستر، بصورته التي أصبحت أحد أهم رموز لندن العالمية، كالأهرامات وأبو الهول لمصر، وبرج إيفل لباريس.
المؤسسة الديمقراطية لوستمنستر هي النموذج الذي تحتذي لدى كثير من بلدان العالم في السعي للتوصل إلى ديمقراطية برلمانية تعددية وحكومة تجدد ثقة الشعب بها أو تفقدها في صندوق الاقتراع.
المؤسسة السياسية، التي يمثلها الحزبان الكبيران في المملكة المتحدة كانت حتى عهد قريب مثل الروضة أو المدرسة المنضبطة التي زج بنا آباؤنا فيها، بينما الحرية خارج سورها الذي زينته النباتات المزدهرة وما اكتشفت تاريخيا أنه الحكمة النافعة في الحياة اليومية للدادة رتيبة والناس البسطاء.
المؤسسة السياسية من رئيسة الوزراء تريزا ماي، ومجلس وزرائها، وزعيم المعارضة جيرمي كوربين وحزبه العمالي، لا يعرفون اليوم الدادة رتيبة بين ملايين الناخبين الذين أوصلتهم أصواتهم إلى مواقع الامتيازات، وتمول ضرائبهم نمط حياتهم وإداراتهم، ودائما ما يدفعون الدم في الجيش دفاعا عن المصالح القومية التي لا يعرف البسطاء ما هي بالضبط.
المؤسسة السياسية أغلقت نفسها في لندن المتعددة الجنسية والثقافة ونسيت شكل النسيج البريطاني العام.
نفد صبر الدادة رتيبة البريطانية فتمردت في انتخابات المجالس المحلية الأسبوع الماضي.
فقد المحافظون أكثر من 1300 مقعد، كان يفترض أن يذهب معظمها لحزب العمال كما هو الحال لعشرات السنين، عندما تكسب المعارضة المجالس البلدية من حزب الحكومة المركزية. لكن العمال فقدوا 80 مقعدا أي أن خسارتهم أكبر.
المقاعد ذهبت للأحزاب الصغيرة.
رتيبة البريطانية وأخواتها فقدوا الثقة بحزبي المؤسسة لأنهما «ضحكا على الناخب» الذي صوت بالخروج من الاتحاد الأوروبي ولم ينفذا وعدهما في انتخابات 2017 بالبريكست.
الديمقراطيون الأحرار والخضر وأحزاب البقاء في الاتحاد الأوروبي تقدمت. أيضا تقدم المستقلون بأصوات البريكستيين.
مناورات مؤسسة وستمنستر للبقاء في الاتحاد الأوروبي رغم أنف الشعب تعني إجراء انتخابات البرلمان الأوروبي بعد أحد عشر يوما.
الحزب الأكثر تقدما هو حزب البريكست، الذي يلقي بالفزع في قلوب زعماء الحزبين الكبيرين، حيث جذب أموال المتبرعين المحافظين وساستهم السابقين كمرشحين له.
المقابل الواضح له مجموعة أحزاب البقاء في الاتحاد الأوروبي كالقومي الاسكوتلندي، والديمقراطيين الأحرار، والخضر.
برنامج الحزبين الكبيرين «عين في الجنة وعين في النار» سيقودهما إلى كارثة سياسية.
فلم يعد الصوت الانتخابي منقسما بين يمين رأسمالي ويسار اشتراكي وإنما بين 52 بيركستيين و48 بقائيين.
ولذا محاولة زعيمة المحافظين ماي (التي يؤدي استمرارها كرئيسة الوزراء إلى نزف مستمر في عضوية الحزب وأصوات ناخبيه) وزعيم المعارضة كوربين خوض الانتخابات ببرنامج عين في الجنة وعين في النار متوجها إلى البريكستيين والخروجيين معا قد تؤدي إلى أكبر خسارة انتخابية تواجههما منذ عقود.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة