رجال وبدلات

رجال وبدلات

الأحد - 29 شعبان 1440 هـ - 05 مايو 2019 مـ رقم العدد [14768]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
قبل ربيعين، كان المرشح الفرنسي فرنسوا فيّون قاب قوسين أو أدنى من دخول «الإليزيه». لكنه تعثر بفضائح مالية أسقطته من سباق الرئاسة. كشفت الصحافة أنه تصرّف بمبالغ تافهة من المخصصات المقررة لنواب البرلمان. أقول تافهة بالقياس لما يجري عندنا. وتسببت الفضيحة بالتشكيك في نزاهة المرشح الذي تلقى، أيضاً، بدلتين غاليتين على سبيل الهدية من صديق متنفذ لبناني الأصل. قيمة الهدية 48 ألف يورو.
ثم مضت الصحافة في النبش وتبين أن فيّون قبل ساعة يد فخمة من رجل أعمال سويسري. طارت الرئاسة من الرجل وبقيت الساعة في معصمه.
اليوم تأتي بدلات جديدة لتثير الدخان حول سياسي فرنسي آخر هو جاك لانغ، رئيس معهد العالم العربي في باريس. وكان لانغ قد ظهر على الساحة، مطلع الثمانينات الماضية، باعتباره وزير الثقافة في حكومة الرئيس الاشتراكي الجديد، آنذاك، فرنسوا ميتران. رأينا رجلا وسيماً يهتم بمظهره وتسريحة شعره، يرتدي سترة بلون براعم الربيع. وسرعان ما أطلقت عليه الصحافة لقب «الوزير ذو السترة الوردية». إن للأناقة سطوة في باريس.
وقد اضطر ميتران نفسه إلى سماع رأي مدير حملته الانتخابية جاك سيغيلا لكي يحسّن من «صورته» في أعين ناخبيه. نصحه خبير الدعاية أن يغير من تسريحة شعره ويقصّر سالفيه. وأخذه إلى خياط النخبة لكي يفصّل له بدلات «برجوازية» على المقاس، بدل ملابسه «البروليتارية». وكان سيغيلا معروفاً بقدرته على تسويق السياسيين كأي بضاعة، مثل أقلام الحبر والعطور ومساحيق الغسيل.
جرت العادة أن تعير دور الأزياء والمجوهرات الكبرى فساتينها وقلائدها للممثلات الشهيرات، يظهرن بها أمام المصورين في مهرجانات السينما ثم تسترجعها منهن. المهم هو الإعلان. أي أن يعرف الجمهور أن فستان فلانة من تصميم فلان. هل يجوز للنجمات ما لا يجوز لغيرهن؟ كثيرون شعروا بالصدمة حين عرفوا أن مدام سيمون فاي، الوزيرة الفرنسية السابقة والشخصية ذات الشعبية الطاغية، تحصل على بدلاتها من دار «شانيل» بدون مقابل، على سبيل الدعاية.
جاء الدور الآن على جاك لانغ. والحقيقة أن الصحافة في الغرب لا توفّر أياً كان. ولبعض الصحافيين جعبة يستخرج منها الأرانب والحمائم والأفاعي في التوقيت المناسب. ونشرت مجلة رصينة أن لانغ تلقى، على مدى سنوات، عدداً من البدلات والقمصان والسراويل من المصمم الإيطالي فرانسيسكو سمالتو. ويصل مجموع ما تأنق به السياسي الاشتراكي، مجاناً، إلى 200 ألف يورو. وقد أدرك الموت سمالتو لكن هداياه واصلت طريقها إلى لانغ. وكان لا بدَّ للوزير السابق من أن يرد على التقرير المنشور.
وجاء الرد على لسان محاميه الذي لم ينفِ الخبر، لكنه أكد أن موكله لم يقدم خدمات مقابل البدلات. وزاد المحامي قائلاً إن لانغ يتلقى الثياب، منذ أربعين عاماً، من مصممين عالميين باعتباره «الرجل الأنيق» الذي ينشر تصاميمهم، أي يشتغل عارضاً متطوعاً لأزيائهم. ومن تلك الهدايا سترة ذات ياقة مرتفعة، على طريقة «ماو»، تلقاها من المصمم تييري موغلر وأثارت زوبعة حين ارتداها في البرلمان.
يمر الفرنسيون مرور الكرام بهذا النوع من الفضائح الصغيرة، طالما أنها لا تتصل بجيوبهم. لكن العرب قد يرونها كبيرة لأن المستهدف فيها يشغل منصباً ذا صلة بهم وبثقافتهم. والحقيقة أن الرجل يستدعي التعاطف، لكي لا أستخدم مفردة أخرى، فهو قد بلغ الثمانين وما زال يتشبث بمظهر شبابي ويلجأ لـ«المحسنات البديعية» لعلاج فروة الشعر وبشرة الوجه. وهذه ستحتاج، بالتأكيد، لمن يترجمها له. ومن كان منكم لا يحب الشبشبة فليرمِه بحجر.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة