النخبة وتربية الحقد!

النخبة وتربية الحقد!

الأحد - 16 شعبان 1440 هـ - 21 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14754]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
قد يُخطئ الشخص البسيط في معرفته وعلمه ولا يكون لغلطته تلك الرمزية العالية أو التأثير البالغ والواسع؛ فهو بسيط ولا يمثل أنموذجاً أو قدوة ومثالاً يُقتدى به.
طبعاً هذا ليس انتقاصاً من الشخص البسيط أو محاولة لا معنى لها للحط من شأنه، بقدر ما هو تمييز بين الشخص الذي لا يدعي في المعرفة معرفة، ومن ينتمي إلى ما تُسمى «النخبة».
إن الانتماء إلى النخبة مسؤولية تاريخية وثقافية حضارية كبيرة وليس ترفاً وصفة للتمايز أو نيلاً لمقعد في عالم الطلائعيين، والصف الأمامي في مجالات الحياة.
لذلك فإنه لا يكفي أن تنتمي لعالم النخبة دون وعي وإدراك مسؤول عميق للوظيفة المنوطة بعهدتك، بل إنه قبل أن تطرق باب عالم النخبة من المهم أن تلتزم ميثاقاً قيمياً يجمع بينك وبين كل المثقفين الحقيقيين في العالم.
إن مرّد تذكيرنا بهذه المسألة الجوهرية إنما سببه ما لاحظناه في خطاب مثقفين وفنانين عرب إزاء حريق كاتدرائية نوتردام الباريسية: بعض المبدعين والمثقفين عبّروا في حساباتهم على «فيسبوك» وغيره من شبكات التواصل الاجتماعي عن مواقف غير سليمة وغير صحية وتمسّ الميثاق القيمي لوظائف النخبة.
فالفنان والمثقف بشكل عام هو فكر ووجدان ينتصر إلى ما يجب أن يكون ويدافع عن الإنساني بقوة ولا يتهاون في حق القيم الإيجابية أبداً. لذلك فإن مواقفه مهمة وما يصدر عنه مؤثر بالضرورة، لأنه حامل لفكر ورؤية ومبادئ ومواقف، وأي سقوط في مستوى الخطاب، هو مظهر كارثي وصادم وسيعطي صورة سيئة عن مجتمعاتنا، باعتبار أن بعض المنتمين للنخبة لا يختلفون في اللحظات التاريخية والمهمة عن البسطاء ثقافة وعلماً ومعرفة.
نعتقد أن واجب النخبة أينما كانت، ومهما كانت طبيعة الفضاء الثقافي الحضاري الذي تنتمي إليه، هو الدفاع عن التراث الثقافي الحضاري الإنساني، لأن الموقف هنا عام ومطلق.
ومن هذا المنطلق، فإن أيّ معلم حضاري وثقافي وديني يتعرض إلى مكروه إنما يُعدّ جرحاً للإنسانية جمعاء وخسارة إنسانية، وليس لمجتمع واحد وبلد واحد.
فالحريق الذي شهدته كاتدرائية نوتردام مبعث أسف لنا جميعاً، لأننا نعرف قيمة التراث والمعالم ورمزيتها الحضارية التاريخية العالية. إن هذه الكاتدرائية وغيرها من المعالم الثقافية في كل شبر من هذا العالم الكبير هي ملك رمزي لكل العالم، لأننا ننتمي جميعاً إلى البشرية، وعطاء هذه البشرية ملك أي إنسان ينتمي إليها.
في هذا الإطار تصبح تعليقات بعض المثقفين والمبدعين أصحاب الجولات الفنية والفكرية الكبيرة مستنكَرة جداً عندما يعبرون عن رفضهم لردود الفعل العربية التي تفاعلت مع حادثة الحريق، وتذكيرنا بما حدث لمعالم العراق وسوريا وما نعيشه من أزمات. بمعنى آخر، فإن هؤلاء يكشفون عن حقد حضاري لا معنى له وكأنه يجب أن نفرح لحريق نوتردام، حتى نثأر لما حصل لمعالم العراق ومتحفه ومعالم سوريا.
هذه المواقف الحاقدة المجانية الفاقدة للتمييز بين الأشياء هي مصدر تشويش تمارسه بعض عناصر النخبة وتنتج عنه إرادة إقصاء العرب من مشاركة الشعوب الأخرى آلامها وأحداثها المؤسفة، وتوريطهم أكثر فأكثر في لعبة الثأر العام والأعمى، في حين أن دور النخبة دعم الحوار والتأسيس له وتسهيل اندماج مجتمعاتنا في العالم وتأمين ثقافة التبادل والتفاعلية والتواصلية الإيجابية مع العالم، والترفع عن الخطابات السلبية الإقصائية التي تؤسس للكراهية والسلبية.
ليس من حق المبدع والمحسوب على النخبة والفكر الطلائعي أن ينحرف في خطابه، لأن في ذلك مصيبتين؛ الأولى زيفه الإبداعي والثقافي. والثانية قدرته على التأثير على البسطاء رغم زيفه.
كما أن الذي يستهين بالمعالم والآثار والتراث الرمزي غير المادي هو في الحقيقة لا يؤمن بأهمية الرمزي وأبعد ما يكون عن مبدأ أن رأس المال الرمزي الثقافي الذي ينتمي إلى قائمة التراث الإنساني حقنا الجمعي وحق الأجيال القادمة... مَن يستهن بهذه الأفكار فهو غير جدير بتحمل أمانة الدفاع عن الثقافة ومنجزات الإنسان الكبرى عبر التاريخ. فما يُصنف في قائمة التراث الإنساني مِلك للإنسانية، وواجب الدفاع عنه مسؤولية الإنسانية أيضاً.
إننا أمة ذات معالم وتاريخ وحضارة ولغة وثقافة، ولا يعني ما نعرفه من لحظة تاريخية صعبة خفتت فيها نبرتنا وتراجعت فيها همتنا أننا فقدنا الشعور بالثقافة والتحسر عن المعالم التاريخية إذا ما أصابها حادث.
قد نفهم الخلط الذي يقع فيه عامة الناس أحياناً، ولكن غير مسموح للمثقفين بالخلط بين سياسات الدول القوية الظالمة، وثقافات ومعالم المجتمعات التي تقاسمنا الأبعاد الإنسانية.
إننا أمة لها في التراث الإنساني الكثير، ولا يليق بنخبتنا إلا الدفاع عن التراث برمته، لأن من يستهِن بمعلم يستهن بكل المعالم. فالمسألة مسألة مبدأ ورؤية واسعة عميقة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة