ستبقى الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية المتفاقمة في لبنان، مثل جمرة لا تحرق غير موضعها: الفئات الأفقر والأقل دخلاً. وستظل الطبقة السياسية التي تعكس في بلدان العالم الأخرى التوازنات الاجتماعية والاقتصادية وتُظهّرها على شكل أحزاب وتيارات وسياسات، في مأمن ومنأى عن آثار الأزمة التي بدأت تضرب البلد الصغير على نحو قد لا يكون شهده من قبل، بعدما تجاهل سياسيو لبنان طويلاً، سلسلة من النذُر ما كانت لتخفى على ذي بصيرة.
جمر الأزمة سيظل في موضعه بسبب افتقار الحكومة الحالية وكل حكومة ستأتي في المستقبل المنظور وضمن العقلية المسيطرة في النظام اللبناني، إلى رؤية لاقتصاد لبنان ووظيفته في المنطقة والعالم. من نافلة القول أن الوظائف التي أداها منذ استقلاله حتى اندلاع حربه الأهلية واستأنفها في مرحلة «السلام السوري» بين 1990 و2005، كمركز للوساطة المالية والسياحة مع حفنة من مؤسسات الصناعات الخفيفة واعتماد على المال السياسي العربي والإقليمي، قد انتهت، وأن أحلام انتقال لبنان من اقتصاد الخدمات إلى اقتصاد الغاز والنفط، ليست أكثر من أوهام تظهر وتختفي وفق ضرورات سياسية ضيقة.
السعي الحثيث إلى تخفيض العجز في الموازنة المقبلة إلى حدود التسعة في المائة استجابة لشروط مؤتمر «سيدر» سيدفع ثمنها موظفو القطاع العام الذين تجري محاولات حثيثة لحرمانهم من حقوق مكتسبة. يضاف إلى الموظفين جمع كبير من العاملين في القطاع الخاص سيشعرون بضراوة سياسة التقشف التي تبحث الحكومة في كيفية فرضها، ناهيك عن جملة من الإجراءات البهلوانية المالية (تسمى «هندسة» تجاوزاً وافتراءً) التي يؤجل «مصرف لبنان» عبرها قدراً محتوماً.
التقشف، وسيلة الحكومات الكسولة والمعدومة الخيال في الهرب من أزمات عادة ما تكون صانعتها، ثبتت ضآلة مردوده في تجارب آخرها الأزمة المالية التي عصفت بالاتحاد الأوروبي قبل عقد من الزمن وانعكست انهياراً اقتصادياً في اليونان وشبه انهيار في إسبانيا وإيطاليا وغيرهما. أفضى التقشف إلى نتائج سياسية ضخمة منها صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي روّجت لفشل السياسات الاقتصادية التقليدية ودمجت الأزمة المالية والبطالة مع العداء للأجانب. الاستثناء اليوناني الذي جاء بحزب «سيريزا» اليساري غير قابل للتكرار في لبنان.
السياسيون المحليون يقيمون وراء خطين دفاعيين يحميانهم من مضاعفات الأزمة: منظومة الولاءات الأهلية والفساد. تمتص الأولى كل تراكم في الاستياء الشعبي من خلال القدرة على فض أي تحالف مهني - نقابي - مدني وتحطيمه وإعادته إلى مكونات طائفية غير قابلة للتآلف وللعمل المشترك ولو ضمن حد أدنى مطلبي. ويجدر بالذكر أن قسماً وازناً من موظفي القطاع العام هم من نتاجات الزبائنية السياسية بمعنى أنهم عُيّنوا في وظائفهم، من أبسطها إلى أخطرها، وفق الولاءات الأهلية - الطائفية والعائلية - مما يجعل الموظف أداة في يد زعامته الطائفية. وليس مضموناً أن يغلب التضامن المهني والنقابي والطبقي عند الموظف على ولائه لقيادته الطائفية حتى لو عزمت هذه الأخيرة على تخفيض راتبه أو حرمانه من بعض المكتسبات؛ ذلك أنه في الحساب الأخير «عامل» في آلة أكبر من الوظيفة، هي الطائفة وسلطتها المادية والمعنوية. والانتماء الأولي إلى الطائفة يخرّب أي انتظام ضمن سياسات المصلحة المشتركة والفائدة العامة، على ما بات في حكم المثل الساري بين اللبنانيين.
أما الفساد، خط الدفاع الثاني عن السياسيين اللبنانيين، فقد بات هو «نفط لبنان» الذي قيل مرة إنه السياحة وثانية إنه الأمن وثالثة إنه عائدات الاتصالات. وأتاحت كمية كبيرة من الأموال المنهوبة من المال العام اللبناني للطبقة السياسية تعزيز عزلتها عن المجتمع وما يعتمل فيه من عناصر الاضطراب من فقر وبطالة وانسداد لآفاق المستقبل خصوصاً بين الشباب. بيد أن الفساد، إذ يفرغ القاع ويصب الماء (أو المال) في القمة، يجعل السياسيين قادرين أكثر على التحكم في جمهور يزداد طاعة وخنوعاً بقدر ازدياد حاجته إلى تلبية ضروراته الحياتية، ويزداد بالتالي ارتباطاً وولاء للطبقة السياسية التي تحتكر القدرة على التوظيف في الدولة وعلى تحريك القطاع الخاص من خلال المناقصات ومشاريع البنى التحتية وما شابه.
هذه الآلية المزدوجة من النهب والسيطرة قد تستمر إلى مستقبل بعيد من سماته دوران المجتمع في حلقة مفرغة من تدهور المستوى المعيشي والتوتر الطائفي والافتقار إلى رؤية لمستقبل لبنان ولاقتصاده وسط سبات عميق لنخبه ومثقفيه المقيمين في أحضان طوائفهم هانئين.
TT
الاقتصاد اللبناني... نار تنجو منها الطبقة السياسية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
