رزان حاضرة في وجدان فلسطين والإنسانية

الخميس - 14 رجب 1440 هـ - 21 مارس 2019 مـ Issue Number [14723]

إن هذا العام له طعمٌ مُرّ كالعلقم، فأي حياة تلك التي لا تتراءى فيها رزان أمام ناظري وهي تفاجئني كعادتها في يوم الأم من كل عام، وهي تحمل هدية تخفيها خلف ظهرها، وتقبّلني وتغني لي «ست الحبايب يا حبيبة». لقد ملأ غيابها المكان والزمان، واستوطن حضور أعمالها قلوبنا وعقولنا. هي مشاعر الأم اليوم الممزوجة بالحزن والأسى من جهة، والعزيمة والإصرار على إكمال مسيرتها في العمل الإنساني والوطني من جهة أخرى.
رزان شابة مفعمةٌ بالحياة والأمل والعطاء لأهلها وأبناء شعبها. كانت تحلم بالعودة إلى يافا، مسقط رأسنا، في قرية سلمة التي طُردنا منها قسراً خلال النكبة عام 1948، وأن يصبح حلم الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة واقعاً معيشاً. لقد شكلت عماد منزلنا وقدوة لإخوتها وأخواتها الخمسة.
خلال عشرين عاماً هو عمرها، لم تعرف ابنتي سوى حدود قطاع غزة فضاءً وحيداً لعالمها الصغير الذي حاصره الاحتلال، ولم تشهد خلالها سوى ثلاث حروب متتالية إسرائيلية على القطاع حصدت آلاف الشهداء والجرحى. لكن ذلك لم يثبط من عزيمة رزان، بل حفّزها للالتحاق بالعمل الإنساني والتطوعي، ورسّخ من إيمانها بخدمة وطنها وشعبها، فعشقت مهنة الطب وطمحت للعمل بها للوصول إلى جميع المرضى والمصابين وتقديم العلاج لهم دون مقابل مادي. لكن الوضع الاقتصادي السيئ لأسرتي بسبب الحصار الإسرائيلي الظالم، وكون زوجي عاطلاً عن العمل، حرم ابنتي من مواصلة تعليمها بعد إنهائها المرحلة الثانوية، إلا أنها لم تكلّ أو تيأس، بل درست التمريض وحصلت على دورات مكثفة، وتفوّقت فيها بصورة لافتة.
منذ استشهادها وأنا في الميدان مسعِفة في الخيام الطبية بمسيرات العودة، مرتدية سترتها البيضاء التي لطختها قوات الاحتلال بالدم؛ فوجودي هنا يمنحني القوة والتحدي للسير على خُطا ابنتي، لكي أثبت للعالم أن رزان رحلت بجسدها لكنها باقية بروحها ورسالتها التي كانت وستظل رسالة الإنسانية.
في ذلك اليوم الذي انطلقت به مسيرات العودة في يوم الأرض على الحدود الشرقية لمدينة خان يونس، فوجئتُ بابنتي ترتدي زي الإسعاف، وتقول لي بإصرار: «سأشارك في مسيرات العودة، فعلينا جميعاً مقاومة الاحتلال بطريقة سلمية لاسترداد حقوقنا المسلوبة، ولا بد من التحلي بالقوة والإرادة الصلبة لإنقاذ شعبنا». لقد قامت ببيع خاتمها وهاتفها واشترت مستلزمات طبية لإسعاف المرضى، على الرغم من أننا كنّا بأمسّ الحاجة للنقود، وكانت أول فتاة على مستوى القطاع تشارك في مسيرات العودة لإنقاذ المصابين وإجلائهم.
لم تعرف رزان الخوف أو التعب، بل كانت تتنقل ببسالة لإنقاذ حياة المصابين غير آبهة بوابل الرصاص الذي يطلقه جنود الاحتلال من مسافة صفر. كانت تتسلح بعزيمة عجيبة وجرأة غير مسبوقة للاستمرار في أداء واجبها الإنساني حتى آخر رمق في حياتها. وفي كل يوم كانت تزداد نشاطاً على الرغم من تعرضها إلى أكثر من 12 إصابة متنوعة بين استنشاق الغاز المسيِّل للدموع والكسور في يدها وصدرها وتلقي الشظايا. وذات يوم، هرعتُ إلى مخيمات العودة فور إبلاغي بإصابتها، وعندما أقلّتني سيارة الإسعاف التي تنقلها إذ بها تفتح عينيها، وتقول: «أنزلوني... فأنا هنا لأعالج لا لأتعالج»، وبالفعل استراحت لبضع دقائق، ثم عادت لتكمل عملها.
لقد أخبرتني بعشرات القصص والمواقف الصعبة وهي تنقذ المصابين؛ فمن أكثر المواقف شدة وإيلاماً للنفس كان محاولة إنقاذ حياة الفتى تحرير أبو سبلة، من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث هبّت مسرعة لإنقاذه، فوقع رأسه بين يديها، وقد فُجعت لرؤية دماغه يخرج من جمجمته، فقامت بعمل ما يلزم من إسعاف أوليّ حتى تم نقله في سيارة الإسعاف، وحينها لاحظَتْ تبقي جزء صغير من دماغه على كف يدها فهرعت راكضة خلف سيارة الإسعاف لعلها تستطيع إنقاذ حياته!
كان الخوف يتملكنا في كل يوم تذهب به إلى المسيرات، فنحن نعي جيداً أن الاستهداف المباشر للطواقم الطبية أو للصحافيين محاولة متعمّدة من قبل الاحتلال لعرقلة نقل المصابين، وإخفاء حقيقة تلك الجرائم البشعة عن العالم. أتساءل: أيّ جرم أو ذنب اقترفته ابنتي وهي ترتدي شارتها البيضاء، وتحاول إنقاذ أحد الجرحى حتى يطلق قنّاص الاحتلال الرصاص على صدرها بشكل مباشر؟ أين العالم ومنظمات حقوق الإنسان تجاه هذه الجرائم والمجازر التي ترتكبها إسرائيل وخروقاتها المتواصلة للاتفاقيات الدولية، خصوصاً «اتفاقية جنيف الرابعة»؟
إنني، رغم المرارة التي تعتصر قلبي، لأفخر بابنتي كونها نموذجاً مشرّفاً لنضال المرأة الفلسطينية التي أثبتت للعالم أن معاناتها تحت وطأة الاحتلال لم تنل من صمودها الأسطوري ومن إصرارها على مقاومة الاحتلال. ستبقى كلمات رزان شاهداً على اغتيال الاحتلال لحلم الشباب والشابات الفلسطينيات في حقهم وحقهن الطبيعي والإنساني في العيش بحرية وكرامة وفي العودة، التي دفعت رزان حياتها ثمناً لها.
إنني أرى رزان بعيون كل شاب وشابة فلسطينية. وأدعو في هذا اليوم العالم أجمع إلى أن يشاهد مقابلاتها القصيرة مع وسائل الإعلام قبل استشهادها، ورسائلها الإنسانية له ولزملائها الذين شكّلوا «فريق الشهيدة رزان النجار التطوعي».
رحلت رزان لكن الفكرة لم ترحل، ووعودنا لها بإكمال مسيرتها حتى تقرير المصير في وطننا، وعاصمته القدس، راسخة ما حيينا.