التصويت بالأقدام

التصويت بالأقدام

الثلاثاء - 21 جمادى الآخرة 1440 هـ - 26 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14700]

حين شاهدتُ على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً صوراً لساحة «ميدان الشهداء» طرابلس ليبيا تفيض بالبشر احتفالاً بالذكرى الثامنة لـ17 فبراير (شباط) 2011 تمنيت لو أنني أطلت إقامتي بطرابلس ليومين آخرين لأكون ضمنهم، لكن ظروفاً حالت دون ذلك، تاركاً طرابلس خلفي مترددة حائرة أمام طريقين: واحدة تقود إلى الترحيب بالذكرى وأخرى تقود إلى نفض اليد من منها كلية وتدير للاحتفال ظهرها.
أخيراً، وبحساب الربح والخسارة، حسمت طرابلس الموقف وألقت بثقلها في كفة خيار الترحيب والاحتفال، متناسية همومها وما علق في قلبها من أحزان طَوال سنوات ثمان أرهقتها حتى بدت لمن يعرفها وكأنها مدينة اختطفتها التعاسة وداهم نهارها الظلام.
الاحتفال لم يكن مقتصراً على العاصمة طرابلس، بل إن مواقع التواصل الاجتماعي حملت إلينا صوراً من مختلف المدن والمناطق الأخرى في جميع أنحاء البلاد وهي تحتفل بالمناسبة - رغم كل الصعوبات والأزمات - في عدم التخلي عن حلمها في عيش كريم في وطن كريم.
الآلاف من المواطنين الذين اختاروا طواعية الخروج إلى الشوارع والميادين للتعبير عن مشاعرهم لم تأتِ بهم سفن من خارج ليبيا ولم تحملهم إليها طائرات، بل هم أنفسهم من كنا نراهم يقفون طوال السنوات الماضية لساعات طويلة أمام أبواب مخابز من دون خبز، وأمام أبواب مصارف بلا سيولة نقدية، وأمام أبواب مستشفيات ليس في مقدورها علاجهم، وصيدليات ليس بها دواء لمرضاهم أو حليب لأطفالهم، ويقفون بسياراتهم في أرتال طويلة جداً أمام محطات بيع وقود من دون وقود، وهم المواطنون أنفسهم الذين ظلوا يعانون الأمرّين من جراء العيش في بيوت مظلمة معظم ساعات النهار والليل - باردة شتاء وخانقة حرارتها صيفاً - بسبب كثرة انقطاع التيار الكهربائي وانعدام مياه الشرب. وهم المواطنون أنفسهم الذين ظلوا رغم معاناتهم وشدة حاجتهم حريصين على الذهاب إلى المآتم لتقديم واجب العزاء فيمن مات من أبناء جيرانهم وأقاربهم مقتولاً. فمن يصدق أن هؤلاء التعساء في وطنهم هم الذين خرجوا بالآلاف طواعية للاحتفال بانتفاضة أطاحت نظاماً خنقهم لمدة أربعين عاماًز
ولكن للأسف، وبدلاً من التهيؤ لبناء مستقبلهم رأوا بلادهم محاصرة بالجماعات المسلحة واللصوص وتتكالب عليها الأمم لنهب ثرواتها، وبدأت الهموم والمتاعب تتكاثر عليهم حتى ضاقت بهم السبل ولم يجدوا لهم مخرجا؟! أليس الأمر مدعاة للدهشة والاستغراب والتساؤل؟!
إذ كيف لامرئ شاهد بأم عينيه حياته وهي تنقلب رأساً على عقب نحو الأسوأ في فترة زمنية قصيرة، ثم يقرر بمحض إرادته الخروج من بيته حاملاً معه أفراد أسرته لإحياء ذكرى كانت نتائجها وراء ما يعانيه بل قد يلعنها ألف مرة، صباح اليوم التالي للاحتفال، حين يكتشف أنه لا وجود لمياه جارية في منزله بسبب انقطاع التيار الكهربائي فجأة ككل يوم؟
المختصون في علوم النفس وعلوم سيكولوجيا الجماهير والمفكرون والمنظرون السياسيون هم على رأس قائمة طويلة من المدعوين لتقديم تفسير أو تفسيرات لما حدث ويحدث من سلوك جماعي لشعب - من بين كل شعوب دول ما سمي الربيع العربي - ظل رغم معاناته حريصاً على الاحتفال بمناسبة خلصته من نظام مستبد وشرس وبترسانة عسكرية وأجهزة أمنية مخيفة.
أليس من الغريب أن نشهد هذه الظاهرة الحياتية ولا نجد من المختصين الذين تفيض بهم ممرات ومكتبات وقاعات المحاضرات في جامعات ليبيا أو غيرها من جامعات العالم من يتقدم إلينا بدراسة واحدة تعيننا على فهم وإدراك مغزى ما نراه، ويساعدنا على تبصر ما نبصر؟!
لكن ها هي الذكرى قد مضت، وعاد المواطنون - المحتفون وغير المحتفين على السواء - إلى ما تعودوه من تجرع غصص المعاناة الحياتية ساعة بساعة، ويوماً بيوم، وأسبوعاً بأسبوع وشهراً بشهر، على أمل أن تنتهي كوابيسهم قبل أن ينفد ما تبقى في قلوبهم من جَلدٍ وصبر وكي يتذوقوا من جديد طعم طمأنينة افتقدوها ويستحقونها.
خلال فترة الحرب الباردة نشطت حركة هروب المواطنين عبر الحدود من البلدان الاشتراكية إلى بلدان الغرب الرأسمالي؛ الأمر الذي دفع بالمعلقين السياسيين في الغرب إلى نحت مصطلح «التصويت بالأقدام»، ويعنون به أن الهاربين خاطروا بحيواتهم واختاروا بمحض إراداتهم وكامل المسؤولية مغادرة بلدانهم للعيش في أوروبا الرأسمالية، وكأنهم بدلاً من الإدلاء بأصواتهم في صناديق الانتخاب غير المتوفرة في بلدانهم فضلوا التصويت بأقدامهم، أي انحازوا إلى خياراتهم السياسية والحياتية.
مع الأخذ في الاعتبار الفارق بين الحالتين، يمكن القول إن المواطنين الليبيين الذين خرجوا يوم 17 فبراير للاحتفال بمحض إرادتهم ومن دون ترهيب أو تخويف أو ابتزاز من أشخاص أو مؤسسات أو أجهزة أمنية أو عسكرية أو جماعات مسلحة، إنما اختاروا بخروجهم التصويت بأقدامهم لذكرى 17 فبراير، برهاناً على استمرار تأييدهم لها رغم كل المشاق والمصاعب والأزمات التي ظلوا يعانونها طوال السنوات الثماني الماضية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة