انتفاضة نهرية ـ عربية قبل فوات الأوان

الجمعة - 17 جمادى الآخرة 1440 هـ - 22 فبراير 2019 مـ Issue Number [14696]

ثمة خطوة حرَّكتها ذاكرتي كوني مصري الهوى بحكم نصف قرن أمضيتُ أغنى أيامه على الصعيد الصحافي بين القاهرة وبيروت متابعاً ميدانياً شؤون مصر الناصرية ثم الساداتية، تلي ذلك شؤون المحروسة في معظم سنوات رابع الرؤساء حسني مبارك مع قليل من الانطباعات عن أولهم محمد نجيب. هذه الخطوة تتصل بنهر النيل الذي لم تُحسم نهائياً مسألة تأثير «سد النهضة» الإثيوبي على حصة مصر من مياه هذا النهر. وتتمثل الخطوة على نحو معلومة في «الشرق الأوسط» ولقطات في فضائية «العربية» بحملة لتنظيف «النهر الخالد» من القمامة والنفايات تحمل تسمية «شباب للنيل» وترعاها وزارة البيئة التي رأيْنا وزيرتها ياسمين فؤاد تنضم إلى عشرات من الشباب والشابات انتشروا على ضفاف نيل القاهرة وبدأوا حملة تنظيف للنهر تعقبها حملة مماثلة في سائر المحافظات وصولاً إلى أسوان حيث السد العالي الذي يُخشى على مياهه من النقصان في حال تم تشغيل «سد النهضة» من دون اتفاق مصري - سوداني - إثيوبي يعطي لكل ذي حقٍّ حقه.
ما فعله «مجاهدو تنظيف النيل»، وهم يستحقون التوصيف الجهادي، يثير الإعجاب. وفي الدرجة الأُولى لتفاعلهم مع معلومة خطيرة وردت في تقرير جهاز شؤون البيئة ويفيد بأن مائة وخمسين مليون طن من النفايات الصناعية تُرمى في النيل سنوياً. كما أن تسعمائة مليون طن من مياه الصرف الصحي تُلقى في النيل سنوياً. وهذا يتم في وقت تسير مصر نحو تسجيل رقم المائة مليون وبضع عشرات من السكان. ومعنى ذلك أنه خلال ربع قرن آتٍ يصبح «النيل الخالد» نوعاً من المستنقعات الحافلة بكل آسِن، ومعناه أنْ لا مياه صالحة ليس فقط للشرب وإنما للري، خلافاً لقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
كل المناهل بعد النيل آسنة
ما أبعد النيل إلاّ عن أمانينا
وقوله أيضاً:
النيل العذب هو الكوثر
والجنة شاطئه الأخضر
صبغ الشطَّيْن بسمرته
لوناً كالمسك وكالعنبر
كما معناه كارثة بيئية لا مثيل لها ولا تعود مصر هبة النيل. هذه الانتفاضة البيئية تحدُث في الوقت الذي شرعت الأجهزة المختصة في مصر بإيجاد علاج للعشوائيات التي باتت مثل ندبة في وجه مصر وبالذات العاصمة التي بدأت تتجمل.
ما يعنيني هنا هو النيل الذي انغرس كشتلة ورد جميلة في مخيلتنا نحن الجيل الذي حفظ أشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم عن «النهر الخالد» ولطالما هزه الشوق إلى السير على كورنيش ضفتيه كلما سمع شدو محمد عبد الوهاب عن المسافر الذي زاده الخيال، وكيف أن «الناس في حبه سكارى وهاموا على شطه الرحيب»، معززاً هذا التصور بأعذب الشدو:
آهٍ على سرك الرهيب
وموجك التائه الغريب
يا نيل يا ساحر الغيوب
كما أن هذا النيل وكورنيشه لطالما كان ملْمحاً من ملامح مؤسسة القمة العربية التي بعث بها الرئيس جمال عبد الناصر الحيوية، فكان المؤتمر الذي استضافه من 13 إلى 17 يناير (كانون الثاني) 1964. وما نقصده بالملْمح هو أن الملوك والرؤساء ساروا مشياً بجوار النيل، وذلك للظهور أمام الرأي العام بتوافقهم ولتأكيد أنهم لم يجتمعوا فقط داخل القاعة في مبنى الجامعة العربية، وإنما اتخذوا قرارات يتطلع الرأي العام من المحيط إلى الخليج إلى استيلادها والمضي في تنفيذها وبالذات قرار «إنهاء الخلافات وتصفية الجو العربي من جميع الشوائب وإيقاف جميع حملات أجهزة الإعلام»، وقرار ينص على «اعتبار إسرائيل خطراً أساسياً واقتصادياً وإعلامياً»، ومن أجْل ذلك «إنشاء قيادة عسكرية عربية موحَّدة». ولأن ما نكتبه اليوم هو عن النيل وبعض أنهر العرب المبتلاة بأشد أنواع الإهمال خطراً على البشر والأرض وعلى الزرع والضرع ومنها إلى جانب النيل في مصر والسودان، أنهر «الليطاني» و«الزهراني» و«العاصي» و«البارد» في لبنان و«دجلة» في العراق، و«بردى» في سوريا، فإن تلك القمة التي أشرنا إليها يا ليتها إلى جانب قرارها «إنشاء هيئة استغلال مياه نهر الأردن وروافده» و«استثمار المياه العربية عموماً» أدرجت توصيات بسن قوانين تُحرِّم تلويث الأنهر العربية فلا تُرمى فيها الأوساخ والحيوانات النافقة ومياه الصرف الصحي وكل ما تفرزه المصانع من بقايا تنتهي سموماً في المياه.
كما يعنيني هذا النيل لأنني في وطن الأجداد والآباء لبنان نكابد من حالة تبعث في النفس الأسى والخشية كون هبة الله سبحانه وتعالى لهذا البلد تَلقى الإهمال من عشوائية بعض الناس ومن تقاعس السلطة الرسمية. وما نعنيه بهذه الهبة الرحمانية هي «نهر الليطاني» الذي هو واحد من بضعة أنهر تحولت كما بحر لبنان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه إلى مكبّات للنفايات الصناعية ولكل ما هو قذر ومسبب للتسمم.
وما يقال عن نيل مصر وكمثال على ذلك نيل القاهرة، يقال عن نيل السودان وبالذات نيل الخرطوم. كلاهما في أشد الحاجة إلى انتفاضة تنظيف مرفقة بحملة توعية تقوم على زرْع ثقافة ثروة الماء في حياة الأمة. وتحضرني في هذه المناسبة تلك الواقعة التي أثارت في نفسي ككاتب يدخل السودان على مدى نصف قرن من الصحافة والتأليف ضمن اهتماماته. وخلاصة الواقعة أن الرئيس السابق (الراحل) جعفر نميري ارتأى في لحظة إيمانية سن قوانين تستند إلى الشريعة لتطبيقها في السودان.
وفي سياق هذه الصحوة قرر إلغاء الخمرة في السودان ووجّه بمصادرة كل زجاجات وبراميل الخمر على أنواعها الموجودة في البلاد وتجميعها في نقطة حددها عند ملتقى النيليْن المسماة «المقرن» في الخرطوم وتكسيرها في احتفالية منقولة تلفزيونياً وإعلامياً ورمي المكسور في مياه النيل وبذلك لا يعود هناك خمرة وخمَّارون ومخمورون. وعندما سجّلتُ أمام الرئيس نقطة نظام خلاصتها لو أنه بدل الكسر ورمي أطنان الخمرة في مياه النيل جرى بيع هذه المحظورات وتوزيع العائد على الفقراء والمحتاجين، أجاب شبه غاضب: نحن أهل الشريعة لا نقترف ذلك!
خلاصة القول إن بعض ديار الأمة وحيث الأنهر نعمة من رب العالمين، لا يعطي المسؤولون فيها هذه النعمة من الاهتمام اللازم. وعندما نرى بداية انتفاضة مصرية بيئية بأمل أن يكون النيل كما يتصوره أحمد شوقي ساحراً وعذباً كما الكوثر ولوناً كما المسك والعنبر وليس مكباً للنفايات وخزاناً لمئات الأطنان من مياه الصرف الصحي، فإننا نأمل أن يلحق بهذه الانتفاضة البيئية النهرية لبنان والسودان والعراق وسوريا التي يا لتلك الحسرة على ذبول «نهر بردى» وتلويث مياهه، الذي لطالما تغنى به شعراء، امتداداً للتغني بالنهر المتواضع في جارة الوادي مدينة زحلة. وفي البال دائماً أبيات سعيد عقل:
مر بي يا واعدا وعدا مثلما النسمة من بردى
أنا حبي دمعة هجرت أن تعد لي أشعلت بردى
ونزار قباني:
هواك يا بردى كالسيف يسكنني
وما ملكتُ لأمر الحب تبديلا
والأخطل الصغير:
بردى هل الخلد الذي وعدوا
به إلاك بين شوادن وشوادي
فالمياه إحدى نِعم الله الكثيرة «وإن تُعدوا نعمة الله لا تحصوها. إن الإنسان لظلوم كفار».
والظالم والكافر هو مَن لا يعطي المياه في العالم العربي الرعاية والسهر على نظامها... حاكماً كان أو محكوماً.