هل المغاربة براغماتيون؟!

الأحد - 12 جمادى الآخرة 1440 هـ - 17 فبراير 2019 مـ Issue Number [14691]

يصادف اليوم ذكرى تأسيس اتحاد المغرب العربي الكبير الذي أُعلن عنه بمدينة مراكش المغربية في 17 فبراير (شباط) سنة 1989، أي قبل ثلاثين عاماً بالتمام والكمال. ومع الأسف فإن الاتحاد المغاربي يمثل عنواناً كبيراً للفشل المغاربي في لحظة دولية تتميز بأهمية التكتلات الإقليمية وغيرها. لذلك فإن هذه المناسبة على امتداد العقود الثلاثة الماضية، إنما تشكل موعداً للتحسر ولتجديد الاستياء من حالة الموت السريري المتواصلة التي يعرفها الاتحاد المغاربي منذ الولادة والنشأة.
وفي الحقيقة تحملنا حالة الجمود هذه على التساؤل عن علاقة المغاربة بفكرة الاستثمار في التكامل والوحدة والتبادل والتعاون من أجل مواجهة المشكلات الاقتصادية الثقيلة التي تئن منها كل دولة مغاربية على حدة.
من جهة ثانية نواصل في نفس السياق من الاستفهامات ونتساءل عن قدرة المغاربة وكفاءتهم في الاستثمار في ما هو مشترك بينهم من ملامح سوسيو - ثقافية وجغرافية وبنية متقاربة، حيث تتقاسم الشعوب المغاربية نقاطاً مشتركة عدة مثل الدين والتاريخ والثقافة.
إذن هناك عطب في استثمار المغاربة لفكرة التعاون وفي استثمار رأس المال الطبيعي والثقافي لفضاء المغرب العربي الذي يضم أكثر من مائة مليون نسمة ثلثهم من الشباب.
ولكن ما الفائدة من تكرار هذه الأسطوانة المشروخة على امتداد ثلاثين عاماً؟
أظن أن هناك مبررات عدّة لتجديد النّقد والاستياء وذلك ليس بغاية الاستياء في حد ذاته بقدر ما هو بسبب محاولة توظيف التغييرات التي عرفتها المنطقة المغاربية في السنوات الأخيرة، خصوصاً أنّها نظرياً على الأقل يُتوقع أن تكون حافزاً قوياً للنفخ في روح الاتحاد وبعثها.
في الحقيقة بما أن مشروع الاتحاد المغاربي هو ضرورة وتلبية لحاجات أكيدة، فإن النضال من أجل تفعيله كي لا يبقى مشروعاً دون تجسيد هو استجابة لأمر ضروري، وضرورته هي سر الدعوة المستمرة إليه.
من ناحية ثانية، لا يمكن التقليل من شأن ما عرفته المنطقة المغاربية من حراك قوي وعميق في السنوات الأخيرة، ويتمثل ذلك بشكل خاص في الثورة التونسية وفي ما حصل في ليبيا وأيضاً صعود الإسلام السياسي للبرلمان في المغرب.
أيضاً بدأت تظهر في البلدان المغاربية نوّات للحريات السياسية سواء من خلال الانتقال الديمقراطي في تونس أو الإصلاحات التي قامت بها دول مغاربية أخرى كبديل عن التغييرات الراديكالية والتي لم تثبت جدوى كبيرة إلى حد الآن.
ولقد رأينا في بداية الثورة التونسية حماسة لتفعيل الاتحاد عبّر عنها الرئيس السابق المنصف المرزوقي في أثناء ولايته الرئاسيّة، ولكن مع الأسف لم تُترجم هذه الحماسة عملياً.
طبعاً هناك من سيستغرب الحديث عن تفعيل الاتحاد المغاربي، والحال أن الحدود بين أكبر دولتين في المغرب العربي غير ميسّرة في التنقل وكثيراً ما يتم غلقها. وهو في الحقيقة استغراب في محله. بل كي لا نتوه في الحفر في أسباب شلل مشروع الاتحاد المغاربي يجب ألا نبحث عن ذلك بعيداً عن الخلاف الجزائري المغربي في خصوص ما سُمي قضية الصحراء الغربية. وهو خلاف أساسي بمثابة الشوكة في حلق مشروع الاتحاد المغاربي وهو وراء حالات الشلل والجمود والسلبية التي تتناسل في ازدياد على امتداد عمر الاتحاد. ومن مظاهر ذلك أن التجارة بين بلدان المغرب العربي لا تتجاوز 4%، الأمر الذي يضع أكثر من استفهام حول جدية النخب السياسية الحاكمة في دول المغرب العربي الكبير في التعاون والاستثمار التجاري الاقتصادي المشترك في زمن التكتلات الكبرى بين بلدانٍ ما يفرق بينها أكثر مما يجمع.
المشكلة حسب اعتقادنا تكمن في أن الطبقات السياسية الحاكمة في البلدان المغربية ما زالت تعتقد أن كل دولة يمكن أن تحل مشكلاتها وحدها ولا حاجة لها للتعاون والاتحاد مع جيرانها. هذه الفكرة هي مصدر الخيبة المغاربية لأنها فكرة فقيرة غير طموحة، وفكرة مهترئة خارج السيّاق الدولي والزمني. وهكذا نفهم غياب إرادة سياسية لتفعيل الاتحاد.
المشكلة اليوم أن الدول المغاربية تعاني من مشكلات اقتصادية كبيرة ولا مفر من الاتحاد وإعمال العقل والإيمان بقوة المصلحة المشتركة. ولن تستطيع الدول المغاربية أن تواجه مشكلات البطالة والفقر إلا بالرهان على التكامل في ما بينها سواء في الثروات الطبيعية أو في الكفاءات والمهارات. لقد آن الأوان كي نميز بين الخلاف السياسي والمصلحة الاقتصادية، خصوصاً أن التعاون الاقتصادي والنجاح في ذلك يسهّلان الوصول إلى حلول ترضي الجميع. من الصعب أن يستمر شلل الاتحاد على حاله وأن تظل كل المشاريع فوق الطاولة معطلة ومعلقة، حيث لم يحصل شيء في مشروع إنشاء شبكة سكك حديدية مشتركة أو مشروع بناء طريق سيار يربط المنطقة، وغير ذلك من المشاريع الملحّة التي ستخلق حراكاً اقتصادياً وتجارياً وسياحياً مهماً مما يسهل على الحكومات المغاربية معالجة أزماتها الاقتصادية.
إنّ ثقافة الاستثمار في الخلافات وفي أزمات الدول المجاورة وقتية جداً وفقدت صلاحيتها، والسياسي الذكي الذي استوعب دروس السنوات الأخيرة لن يتأخر في التشمير عن سواعد العمل والرهان على مشروع الاتحاد.
كما أنه لا تفوتنا الإشارة إلى ضعف دور المجتمع المدني في البلدان المغاربية في الدفاع عن الاتحاد المغاربي وفي النضال من أجل تفعيله. وهو تقصير زاد الطين بلة وأطال جمود الاتحاد المغاربي.