العقاد و«القاديانية» و«الأحمدية»

الأحد - 14 جمادى الأولى 1440 هـ - 20 يناير 2019 مـ Issue Number [14663]

تلقى عباس محمود العقاد بعد نشر مقاله الذي قدم فيه عرضاً احتفائياً لكتاب مولانا محمد علي «الإسلام والنظام العالمي الجديد»، ردود فعل متباينة الأغراض. وهذا ما نعرفه من مقاله المنشور بمجلة «الرسالة» بتاريخ 13 - 5 -1946، الذي يحمل هذا العنوان: «من الدعوة الهندية».
يقول في مقدمة هذا المقال: «أتلقى منذ كتبت بـ(الرسالة) مقالي عن (الإسلام والنظام العالمي الجديد) كتباً ورسائل مطبوعة وغير مطبوعة؛ يتكلم المطبوع منها عن القادياني والجماعات التي تناصره أو تنفصل عنه، وتفسر الرسائل الأخرى بعض ما يؤخذ على الدعوة القاديانية، أو تنحى على هذه الدعوة باللائمة وتحاسبها على التفرقة بين المسلمين، وإحداث البدع في عقائد الإسلام».
ردود الفعل في إفادة العقاد هذه جاءته من ثلاث فئات هي: الفئة «القاديانية» والفئة «الأحمدية اللاهورية»، وهي المقصودة بعبارة «الجماعات التي تنفصل عنه»، والفئة المعارضة للدعوة القاديانية والدعوة الأحمدية اللاهورية.
ولقد أورد من ردود فعل الفئة الأولى نص رسالة أرسلها إليه «قادياني» من سوريا، وأورد من ردود فعل الفئة الثانية كلاماً تضمنته نشرة مطبوعة لأعضاء «الرابطة الأحمدية لإشاعة الإسلام بلاهور»، أرسلها إليه أعضاء هذه الرابطة. وأهمل إيراد نص أو مضمون رسالة من رسائل الفئة الثالثة!
لا نعلم إن كان صاحب الرسالة المعبر رأيه عن رأي الفئة الأولى سورياً معتنقاً لـ«العقيدة القاديانية»، أم هو داعية قادياني هندي مقيم في سوريا، لأن العقاد لم يذكر سوى محل إقامته، وهو زاوية الحصني بدمشق.
يقول العقاد عن هذه الرسالة: «طبعت في أعلاها الشهادتان والبسملة، وأن الدين عند الله الإسلام، ثم هذه العبارة: نحمده ونصلي على الرسول الكريم وعلى عبده المسيح الموعود، وقال كاتبها: إن أحمدَ... ادعى النبوة حقاً، وليس في ادعاء النبوة مخالفة للإسلام أو لدين من الأديان كما تقولون».
بقية الرسالة - كما أورد العقاد نصها - عبارة عن مجادلة للمسيحيين؛ يبتغي منها إلزامهم بأن «ميرزا غلام أحمد مسيح ونبي»، ومجادلة للمسلمين في عقيدتي انقطاع الوحي وختم النبوة، لكي يدعي أن «ميرزا غلام أحمد ينزل عليه الوحي، وأنه كان نبياً».
يوسع العقاد في مقاله مجالاً أكبر لعرض ما تضمنته النشرة التعريفية الدعائية الصادرة عن «الرابطة الأحمدية لإشاعة الإسلام بلاهور»، ومما جاء في عرضه تلخيصها لعقائدها بأربع نقاط، هي:
1ــ إننا نعتقد باختتام النبوات بمحمد، كما قال مؤسس الجماعة: «إنه لا نبي من الأولين أو الآخرين يعقب نبينا المعظم، وأن الذي ينكر ختام النبوءات يعتبر خارجاً عن حظيرة الإسلام، وليست له عقيدة فيه».
2ــ إننا نؤمن بأن القرآن الكريم كتاب الله الكامل والآخر، وأنه باقٍ لم ينسخ منه جزء إلى آخر الزمان.
3ــ إننا نحسب من المسلمين كلَّ من يشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كائناً ما كان المذهب الإسلامي الذي ينتمي إليه.
4ــ إننا نعد حضرة ميرزا غلام أحمد القادياني مؤسس الحركة الأحمدية مجدد القرن الرابع عشر، ونثبت أنه ما ادعى النبوة قط، كما قال بكلامه: «إنني لا أدعي النبوة... وكل ما أدعيه أنني مُحدَّث، وأن معنى المُحدَّث هو الذي يسمع كلام الله.. كلّا ما أنا مدع للنبوة، وما مدعي النبوة عندي إلا خارج على الدين، وإنما يكذب عليَّ الذين يحسبونني من أولئك المدعين».
النقطة الأولى والنقطة الرابعة اللتان ذكرتهما «النشرة الأحمدية» دفعت العقاد إلى أن يتراجع عما قاله في مفتتح مقاله الأول الذي قدم فيه عرضاً لكتاب مولاي محمد علي، من دون أن يصرح بذلك، ودفعته إلى موقف غير حاسم يجمع ما بين التساهل والنصح.
في مفتتح مقاله الأول، قال ما نصه: «في سنة 1889 ظهر في بنجاب بالهند، ميرزا غلام أحمد القادياني صاحب الطريقة القاديانية المشهورة، وأخذ - وهو في الخمسين من عمره - ينشر تلك الطريقة التي تشتمل على عقائد كثيرة لا يقرها الإسلام، ولا يقبلها دين من الأديان الكتابية، ومن ذلك أنه هو نبي الله المرسل، وأنه عيسى بن مريم قد بُعث إلى الأرض في جسد جديد!».
وفي مقاله الثاني قال: «وأياًّ يكن الصدق فيما يقال عن دعوى النبوة هذه من إثباتها أو إنكارها، ومن قبولها أو رفضها، فإن الصدق الذي لا شك فيه هو أن أتباع القادياني يخسرون بادعاء النبوة له ولا يكسبون، وأن حركة التجديد في الإسلام يقوم بها الداعون إليها دون حاجة منهم إلى أمثال هذه الدعاوى التي تفض الأنصار وتفرق بالأديان في المشرق والمغرب، إن لم تجمعهم كلهم على محاربتها وتكفير المبشرين بعقائدها».
ما قاله العقاد في مقاله الأول عن ادعاءات ميرزا غلام أحمد، هو قول صحيح ولا ينقصه سوى سهوه عن ذكر ادعائه أيضاً أنه «المهدي المعهود». لكنه تراجع عن هذا القول في المقال الثاني، فنسب دعوى نبوة ميرزا غلام أحمد إلى أتباعه وليس إليه. وهنا كان التراجع عما قاله في مفتتح المقال الأول. ويتبدى الموقف غير الحاسم في السطر الذي بدأه بهذه الجملة: «وأياًّ كان الصدق فيما يقال عن دعوى النبوة هذه...». أما التساهل مع «القاديانية» والنصح لها، فلا يحتاج إلى تبيان، فهو واضح في الأسطر التي تلت ذلك السطر. ومن التساهل أيضاً اكتفاؤه بالتعليق على رسالة القادياني المرسلة إليه من سوريا، التي ردت على ما قاله في مفتتح المقال الأول، بالقول: إنها من أعجب الرسائل التي وصلته بسبب كتابته لذلك المقال.
هذا التساهل مع «القاديانية»، والنصح لأتباعها، لم نره في مفتتح ذلك المقال، فهو قد أدانها فيه، لأنها - كما قال - تشتمل على عقائد لا يقرها الإسلام، ولا يقبلها دين من الأديان الكتابية.
ما سر موقف انزياح العقاد من موقف صلب من «القاديانية» إلى موقف متساهل معها بين مقالين؛ الفترة الزمنية بينهما شهران وتسعة أيام؟!
السر يكمن في الفرقة المنشقة عن «القاديانية» الأم، وهي «الرابطة الأحمدية» أو «أحمدية لاهور»، ويكمن في مولانا محمد علي وكتابه «الإسلام والنظام العالمي الجديد»، وفي كتبه الأخرى التي قرأها، وفي كتب قرأها لـ«أحمديين» آخرين من أعضاء تلك الرابطة.
العقاد - كما في المقال الأول - كان ينطوي على إعجاب وتقدير عاليين للحركة الأحمدية المنشقة أو المنسلة من الحركة القاديانية، رغم تحفظه على تفسيراتها للكتاب والسنة. لذا كان حريصاً على التمييز بينها وبين الحركة القاديانية، وكان محتفياً ومبتهجاً بكتاب مؤسس «الأحمدية اللاهورية»، مولاي محمد علي. ولقد استغلت هذه الحركة إعجابه وتقديره العاليين لها، واحتفاءه وابتهاجه بكتاب مؤسسها، فأرسلت له كتباً ورسائل مطبوعة فيها مزيد من الإيضاحات عن محتواها وغايتها وأهدافها، فيها دفاع عن ميرزا غلام أحمد، ولأنه كان يرمق «الأحمدية اللاهورية» بعين المجل والمثمن، صدقها فيما قالته بأن ميرزا غلام أحمد لم يدع النبوة وإنما ادعاها له فريق من أتباعه، حسب زعمهم، فأمل هو أن يكفوا عن هذا الادعاء ويقلعوا عنه، وأن يكونوا مثل «الأحمديين اللاهوريين»، لذا تحول موقفه من «القاديانية» إلى موقف الملايين وتوجه إلى أتباعها بنصح لا يخلو من غفلة وسذاجة.
إن ما خفى على العقاد أن السند الذي اعتمد «الأحمديون اللاهوريون» عليه في دعم زعمهم، قد قاله ميرزا غلام أحمد في طور من أطوار دعوته.
تبنى العقاد فيما بعد زعم «الأحمديين اللاهوريين» على نحو أقوى في كتابه «الإسلام في القرن العشرين: حاضره ومستقبله» الذي نشره في عام 1954، فهو في هذا الكتاب قال عن ميرزا غلام أحمد «إنه مُحدَّث ولم يثبت أنه ادعى النبوة، إنما دعواه - على قول الأكثرين من أتباعه - أنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة»، ثم أتى بالسند الذي كان قد أمده به لأول مرة «الأحمديون اللاهوريون».
وقال بعد ذلك: «ومدار الرسالة القاديانية كلها على التوفيق بين الأديان». وهذا قول غير صحيح. فـ«القاديانية» تسعى إلى منافسة الأديان الكتابية وغير الكتابية ومزاحمتها والحلول محلها. وهي - بالدرجة الأولى - عدوة ومعادية للديانة المسيحية. وهذه العداوة ترجع إلى سبب نشأتها وإلى البراهين التي تستند إليها في دعواها بأن «ميرزا غلام أحمد هو المسيح الموعود».
فـ«القاديانية» نشأت في خضم السجال المسيحي، الذي يهدف من جهة إلى التبشير بالمسيحية بين المسلمين الهنود، ومن جهة أخرى إلى نقض الديانة الإسلامية الذي بدأه مبشرون مسيحيون غربيون، والسجال الإسلامي الدفاعي الذي ذاد به عن دينهم علماء دين هنود. ويرجع إلى ادعاء ميرزا غلام أحمد «أنه هو المسيح عليه السلام»، وقد بعث مجدداً في قرية قاديان، ويرجع إلى تحكم وتمكن النزعة التبشيرية الصارخة منها، وإلى اعتمادها جزئياً في إثبات صحة عقيدتها على اللاهوت المسيحي وعلى الفكر القيامي المسيحي. إن هذا العداء موجود لدى «الأحمديين اللاهوريين»، والكتاب الذي احتفى وابتهج العقاد به (الإسلام والنظام العالمي الجديد) طافح به، وإن هو غض النظر عنه، حين قدم الكتاب وعرف به للقارئ العزيز. فمولاي محمد علي في هذا الكتاب هاجم المسيحية، نصاً وممارسة، بعنف وتطرف. وللحديث بقية.