ماذا يعني تدريس الفلسفة بالسعودية؟

الخميس - 4 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 13 ديسمبر 2018 مـ Issue Number [14625]

النقلة التنموية التي تمرّ بها السعودية استثنائية بشموليتها؛ إذ لم تقتصر على النمو الاقتصادي، أو الخطط التقليدية كما كان، وإنما اليوم تتكامل مجالات التنمية؛ من الاقتصادي، إلى الدعوي، والثقافي، والتعليمي. وقد هيمن خبر إدخال الفلسفة ضمن المناهج في الثانويات بالسعودية على المهتمين بالمجال، وأخذ حيّزه من التغطية الإعلامية، والتحليل التربوي، والنقاش الفكري.
ثمة نقاش قديم بين المختصين حول تدريس الفلسفة، يمكن تلخيصه في نقطتين؛ الأولى: تعد تدريسها حال تحويلها إلى منهج ومن ثم إلى آيديولوجيا، يدخل ضمن عباب الشعبوية ولا يخرج منه، وربما أخرجت عقلاً كالطبل لا يفقه ولا يفهم. وهذه رؤية نخبوية حادة في توجهها، فهي ليست فرعاً علمياً؛ بل نظام تفكير نقدي غير خطّي. والثانية: ترى في تدريس الفلسفة الحدّ الأدنى من حضور الحس النقدي، وتحرير العقل من أسر الأجوبة المطقّمة، وليست مهمة تدريس الفلسفة تخريج ملايين الفلاسفة، بل يمكن أن يستفيد منها من يخطط لأن يكون طبيباً أو عسكرياً أو مهندساً، فهي موضع غنى لدارسها، وأثرها ليس بالحفظ والترديد؛ بل إن إدمان مطالعة النصوص الاستثنائية يشحذ الذهن، ويمكنها رسم وشم في العقل لا يمكن محوه. وأنا مع الرأي الثاني، لأنني متفائل بالأثر، ولهذا تجارب عربية كثيرة؛ إذ أثرت الفلسفة على المجتمعات التي درستها بشكلٍ إيجابي للغاية.
من الضروري التنويه بكتب مساعدة؛ منها «الدروس الأولى في الفلسفة» من تأليف فريدريك لوبيز، والثاني «مقالات في الدرس الفلسفي» من تأليف مدني صالح، والثالث «حكمة الغرب» لبرتراند راسل... كلها عبارة عن تمارين متنوعة على نصوص ومفاهيم وموضوعات متعددة، وبما أن المناهج الفلسفية قد طبعت، فيمكن للأساتذة الإحالة إليها لما تتضمنه من مرانٍ للعقل على مواجهة النصوص المختلفة في تاريخ الفلسفة؛ سواء منها الشرقية، والإسلامية، والغربية.
ثم إن الفلسفة ليست معقدة كما يدعي البعض. صحيح أنها تحتاج إلى ممارسة وإدمان مطالعة، وقدرة على الفهم، ولكن يمكن تجاوز ذلك التحدي عبر طريقتين، يمكنهما تمهيد الطريق للراغبين في الازدياد من هذا المجال والتخصص فيه على مستوى القراءة الحرة أو الدرس الأكاديمي. فبعد جمع المتون الكبرى الأساسية المؤثرة على تاريخ البشرية، يشرع القارئ في قراءة شروحات مستفيضة عن الفيلسوف موضع البحث... مثلاً لا غنى عن إمام عبد الفتاح إمام قبل قراءة هيغل، ولا عن عبد الرحمن بدوي قبل قراءة أرسطو، ولا عن دراسات ومقدمات فتحي المسكيني قبل قراءة هيدغر، ولا عن شروحات مطاع صفدي قبل قراءة دلوز، ولا عن بول رابينوف قبل قراءة فوكو، ولا عن شروحات حسن حنفي قبل قراءة اسبينوزا... هذه أمثلة يسيرة، ومن ثم اقتناء موسوعات فلسفية، وبعد فهم معجم كل فيلسوف، وفهم منهجه، ومنطلقاته، وغامض عباراته، تبدأ القراءة المعمقة للمتن الأصلي، حينها يعرف القارئ معنى متعة التخصص في الفلسفة وثراء النصوص ودورها في شحذ العقل.
من جميل وصايا هربرت سبنسر في كتابه «التربية» قوله: «حقائق العالم الطبيعي لا يسلّم بها بناءً على أقوال الحجج وحدها، ولكنها مباحة للتجربة العامة، ليسأل التلميذ ليصل بنفسه إلى النتائج، ثم يعرض على نظره كل جزءٍ من أجزاء الفحص، ولا يطلب إليه التسليم بأي شيء دون أن يسلّم بصحته، ثم تزيد ثقته بقواه مطابقة نتائجه للحقيقة متى كان استنتاجه صحيحاً، ومن ثم ينشأ ذلك الاستقلال الذي هو من أنفس عناصر الخلق».
وتعليم الفلسفة يحتم على المعلمين أخذ مسارٍ آخر غير قصف آذان الطلبة بالأجوبة المعلبة، ولا بالسحق لعقولهم الغضّة، وأذهانهم الحيّة، وإنما بتحويل الدرس الفلسفي إلى ورشة للنقاش، من دون انتقاصٍ أو توبيخ، فالفلسفة تبحث في البداهات والفراغات، ومن حق الطلبة البوح بالأسئلة التي تختلج في صدورهم من دون وجلٍ أو خوف، وإلا فما قيمة الفلسفة إن لم يكن أساس تعليمها ينطلق من التربية على الاستقلال وعدم الخوف من وميض الخواطر، والشجاعة في مواجهة الأسئلة وشهب الأفكار.
ثم إن المرحلة الثانوية مناسبة لتدريس الفلسفة ومنتخب من النصوص المتينة؛ إذ يبدأ في هذه السن تشكّل الإنسان وخطوه نحو حسم مستقبله المهني والعلمي والأكاديمي، ويمكن للفلسفة المساهمة في تجويد الخيارات الوجودية للإنسان، وعزمه على اختيار مهنة الحياة الأبدية علماً وعملاً.
تدريس الفلسفة لا يدمر الثوابت، ولا يعادي الأصول... إنه مجال رحب للنقاش العمومي، وتربية العقل، وحراسة التفكير من التصلب والتعصب والجمود... بالطبع ليست مهمة الفلسفة إنتاج مجتمعات خارقة، ولكنها خطوة بالاتجاه الصحيح تنسجم مع تطورات السعودية الكبيرة بقيادة سياسية شجاعة.