مغادرة ميركل وأمل جديد أمام تيار الوسط في أوروبا

الاثنين - 2 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 10 ديسمبر 2018 مـ Issue Number [14622]

تعرضت المستشارة أنجيلا ميركل لاتهامات بقتل الحياة السياسية داخل ألمانيا عبر هيمنتها الخانقة. إلا أنها في خضم تسليمها قيادة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، يوم الجمعة الماضي، لامرأة أخرى، بدا واضحاً أن المنافسة السياسية لا تزال حية وقوية حتى داخل صفوف الاتحاد المسيحي الديمقراطي، وأن المستشارة الألمانية القادمة والقائدة الفعلية لأوروبا خلال الفترة المقبلة ستكون شخصية سياسية تمثل نجماً جديداً في المشهد السياسي.
هذا النجم هو أنغريت كرامب كراينباور، واحدة من حواريي ميركل وخليفتها المختارة، والتي مسحت الدموع عن عينيها عندما اختتمت ميركل خطاب الوداع المؤثر الذي ألقته بعبارة: «كان العمل معكم مصدر سعادة وشرف عظيم لي». بيد أن ذلك لا يعني أن الجدال المحتدم حول التوجه الذي يتخذه التيار الألماني المحافظ، بل وألمانيا بأسرها، قد انتهى.
كان المندوبون الـ1.000 الذين اجتمعوا في قاعة بدت أشبه بحظيرة الطائرات داخل معرض هامبورغ قد فضلوا كرامب كراينباور، التي تشتهر كذلك بـ«إيه كيه كيه» على المحامي الذي يعمل لحساب شركات، فريدريش ميرز، وكذلك وزير الصحة ينس شبان. وجاء فوز إيه كيه كيه بفضل أدائها المقنع ومعرفتها العميقة بالحزب والأسابيع التي قضتها في عمل دؤوب في حشد تأييد التنظيمات المحلية التابعة للاتحاد المسيحي الديمقراطي.
جدير بالذكر أن المشهد السياسي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية نادراً ما جذب الأنظار إليه، وبخاصة خلال حقبة ميركل. كانت آخر انتخابات تنافسية داخل الاتحاد المسيحي الديمقراطي قد جرت عام 1971. ومع هذا، استمتع أعضاء الحزب، الجمعة، بمشهد نادر الحدوث.
في البداية، ألقت ميركل خطاب الوداع، وجاء مقتضباً وبسيطاً، بل وألقت ميركل مزحة بخصوصه واصفة إياه بأنه: «يليق بميركل تماماً ـ فهو مقتضب ومحدد». وفي خطابها، أبدت ميركل فخرها بأن الحزب المحافظ الذي تولت قيادته عام 2000 تبدل وجهه تماماً اليوم عما كان عليه، ويعتنق اليوم منظوراً أوسع. وقد كوفئت المستشارة، التي تمكنت من جعل الحزب عنصراً فائزاً باستمرار في الانتخابات، بتصفيق حار من جانب أعضاء الحزب أثناء وقوفهم لمدة قاربت 10 دقائق، وحمل بعضهم لافتات مكتوب عليها: «شكراً أيتها الزعيمة». وكهدية وداع، حصلت ميركل على عصا قائد الفرقة الموسيقية، وجرى تشغيل مقطع فيديو يحوي أبرز اللحظات التاريخية في مسيرتها السياسية.
هنا، انتهى الجزء العاطفي من اللقاء، وحان الوقت لأن يحاول كل من ثلاثة مرشحين الفوز بأصوات المندوبين. واعتمدت إيه كيه كيه، التي تحدثت أولاً، وكذلك شبان، الذي تحدث أخيراً، على لغة بلاغية. وتمثلت الفكرة الأساسية لخطاب إيه كيه كيه في «الشجاعة» (بأن يغادر المرء المساحة المألوفة بالنسبة له). أما شبان، فرفع شعار «أنا أهتم» (بخصوص ما ستصبح عليه ألمانيا عام 2040: في الـ38، كان شبان الأصغر بين المرشحين). أما ميرز، فنبذ اللغة الزخرفية، وجاء خطابه متناغماً مع صورته العامة كشخص شديد الصراحة والوضوح، وحذر ميرز من أن الاتحاد المسيحي الديمقراطي يخسر الناخبين لصالح الشعبويين اليمينيين المنتمين لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، وأنه لا يبذل جهوداً كافية لتمييز نفسه عن منافسيه في حزب «الخضر» و«الحزب الديمقراطي الاجتماعي» في اليسار.
إلا أن الثلاثة اتفقوا على أمر واحد: أن حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي هو الحزب الشعبي الباقي بالبلاد، بل وربما على مستوى أوروبا بأسرها. والملاحظ أن العناصر المعتدلة، في تياري يسار الوسط ويمين الوسط، خسروا الانتخابات في دول مختلفة من فرنسا حتى بولندا، وشدّد قادة الاتحاد المسيحي الديمقراطي على أنه لا يمكن أن يسمحوا بحدوث ذلك لحزبهم.
من ناحية أخرى، فإن غالبية المندوبين كانوا على علم بالفعل بمواقف المرشحين تجاه معظم القضايا، وبخاصة أن الثلاثة كانوا يشنون حملات انتخابية منذ مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) داخل مؤتمرات إقليمية تتبع الحزب وعبر الظهور التلفزيوني وعقد مقابلات صحافية. وبذلك، كانت الاختلافات في مواقف المتنافسين واضحة سلفاً. وعلى ما يبدو، تبدي إيه كيه كيه، الرئيسة السابقة لولاية سارلاند والأمينة العامة لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، اهتماماً أكبر بالقضايا ذات البعد الاجتماعي، بينما يتبع ميرز توجهات تحررية أكثر وداً إزاء مجتمع الأعمال. وقد ورثت إيه كيه كيه من ميركل التركيز على التسامح، بينما يميل ميرز نحو ما يمكن وصفه بسياسات الهوية. وفي الوقت الذي تفضل إيه كيه كيه التوصل لتسويات وحلول وسط، يسعى ميرز دوماً لإظهار القوة. كما تتبع إيه كيه كيه توجهاً أكثر تسامحاً إزاء الهجرة، وإن كان موقفها يظل أشد صرامة عن موقف ميركل. أما ميرز، فقد أثار التساؤلات حول مدى ضرورة أن ينص الدستور صراحة على الحق في اللجوء، واقترح طرد المهاجرين الذين يتورطون في جرائم ومنعهم من دخول الاتحاد الأوروبي.
وتحمل مثل هذه الاختلافات في المواقف أهمية كبيرة بالنسبة للتوجه المستقبلي لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، بل ومستقبل التيار الألماني المحافظ برمته، لكن النقاش النشط حول هذه القضايا والمنافسة الانتخابية القوية على زعامة الحزب يحملان أهمية أكبر بالنسبة لألمانيا ككل. جدير بالذكر أن أياً من الناخبين لم يتمكن من تحقيق فوز مقنع خلال الجولة الأولى، وانتهى الحال بالناخبين الذين أيدوا شبان بادئ الأمر بحسم الانتخابات لصالح إيه كيه كيه بفارق ضئيل.
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الاتحاد المسيحي الديمقراطي حزب يتسم بطابع تقليدي للغاية، وتشير الإحصاءات إلى أن 6 في المائة فقط من أعضائه أقل عمراً من 30 عاماً و15 في المائة فقط أقل عن 40 عاماً. وفي بداية المؤتمر، استغرق الأمر من ميركل دقائق عدة لقراءة قائمة بأسماء أعضاء الحزب البارزين الذين توفوا في غضون الشهور القليلة الماضية. ومع هذا، نجح الحزب في نفض الغبار عنه، ويبدو اليوم نشطاً من جديد، الأمر الذي يترك تأثيراً إيجابياً في صفوف الناخبين. يذكر أنه قبيل انعقاد المؤتمر، كشف استطلاع للرأي عن أن معدلات تأييد الاتحاد المسيحي الديمقراطي بلغت الثلاثينات مئوية بعد شهور في مستوى العشرينات.
ورغم كل شيء، يبقى الاتحاد المسيحي الديمقراطي القوة السياسية الأكبر على مستوى ألمانيا، بفارق كبير عما يليه، ويبدو الجدال الداخلي الدائر اليوم بمثابة تدريب للانتخابات المقبلة، والتي من غير المحتمل عقدها قبل عام 2021 لأن إيه كيه كيه لن تسعى إلى الإطاحة بميركل من منصب المستشارة، وسيحتاج شركاء الاتحاد المسيحي الديمقراطي إلى وقت لمحاولة استعادة الدعم الشعبي. ومن المفترض أن يسهم هذا السباق في إحياء اهتمام الألمان بالسياسة بوجه عام، بعد فترة الركود التي اتسمت بها حقبة ميركل.
أما إيه كيه كيه، فإنها بالنظر إلى مشاعرها الصادقة ومهاراتها الخطابية وإتقانها سياسات الغرف الخلفية على غرار ميركل، مؤهلة لأن تصبح زعيمة أقوى للحزب ولألمانيا من معلمتها نفسها.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»