التجارة الحرة وسياسة الحماية الاقتصادية

الاثنين - 2 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 10 ديسمبر 2018 مـ Issue Number [14622]

لسنوات طوال تبنّت الولايات المتحدة الأميركية التجارة الحرة في العالم، فقد كانت عضواً مؤسِّساً في الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية (جات) في عام 1948، واستمرَّت داعمة للتجارة الحرة عند تحول هذه الاتفاقية إلى شكلها الجديد، وهو منظمة التجارة العالمية في عام 1994.
كما أنها، وفي السنة ذاتها، توصلت لاتفاقية مع دول أميركا الشمالية (كندا والمكسيك) في الاتفاق المسمى «نافتا»، الذي أسهم في خفض التعرفة الجمركية لأكثر من نصف الصادرات المكسيكية للولايات المتحدة، وثلث الصادرات الأميركية للمكسيك، إضافة إلى تسهيلات أخرى لدول الاتفاقية.
وقد وفرت التجارة الحرة للدول المشاركة في المنظمة كثيراً من المميزات؛ فقد فتحت باب المنافسة بين كبريات الشركات العالمية، موفِّرة بذلك خيارات من المنتجات للمستهلكين حول العالم وبأسعار منخفضة سبَّبتها الرسوم الجمركية المنخفضة وزيادة المنافسة بين الشركات المصنِّعة لهذه المنتجات. إضافة إلى ذلك فقد أسهمت التجارة الحرة في نمو كثير من الاقتصادات بسبب سهولة الوصول إلى الأسواق العالمية، وبالتالي زيادة الصادرات لديها. كما أنها أسهمت في جعل كل دولة مختصة في صناعات محددة تقوم بتصديرها لبقية الدول.
إلا أن التجارة الحرة أضرَّت بالولايات المتحدة بأشكال عدة، فعلى الرغم من أن الصادرات الأميركية زادت منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1994 من 510 مليارات دولار إلى 1.5 تريليون دولار عام 2016، فإن وارداتها كذلك ارتفعت من 670 ملياراً إلى 2.2 تريليون، وبذلك زاد العجز التجاري للولايات المتحدة من 160 إلى 700 مليار دولار. كما أن كثيراً من المنظمات العمالية الأميركية تذمَّرت، وعلى مدى أعوام من تأثير هذه الاتفاقيات على سوق العمل الأميركية؛ فقد قدمت إحدى هذه المنظمات تقريراً تشير فيه إلى أن اتفاق «نافتا» أدى إلى خسارة ما يقارب 800 ألف وظيفة لصالح المكسيك.
في المقابل، فإن دولاً أخرى استفادت من التجارة الحرة في نموها الاقتصادي، وكانت الصين هي أكثر هذه الدول انتفاعاً منها؛ فحين انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 لم تزد صادراتها على 266 مليار دولار، مقابل واردات 243 ملياراً. أما في عام 2016 فقد بلغت صادراتها 2.1 تريليون دولار مقابل 1.6 من الواردات. ليزيد الفائض في ميزانها التجاري من 23 إلى ما يقارب 500 مليار دولار. وتُتهَم الصين باتباعها سياسة الحماية الاقتصادية (وهي على النقيض من سياسة التجارة الحرة)، ولذلك فهي استفادت من انضمامها لمنظمة التجارة العالمية دون فتح أسواقها للشركات العالمية. وهي باتباع هذه السياسة تحمي شركاتها المحلية من المنافسة العالمية مقللةً بذلك من وارداتها، إضافة إلى إضافتها لحواجز جمركية على هذه الواردات.
وحين تولَّى الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقاليد الرئاسة، أخذ على عاتقه «تصحيح» هذه الأخطاء، فقد انتقد اتفاقية «نافتا» بعد فترة من توليه الرئاسة، مدعياً أنها مجحفة بحق بلده، وتوصل بعد فترة طويلة من المفاوضات إلى اتفاقية جديدة مع كندا والمكسيك، وقعها معهما في قمة العشرين بداية هذا الشهر.
كما أنه أصرَّ على إعادة تشكيل لوائح منظمة التجارة العالمية، وهو ما أقرّه قادة مجموعة العشرين في الاجتماع ذاته، منفِّذاً بذلك أحد أهم وعوده الانتخابية. واتبع ترمب سياسة الحماية الاقتصادية التي حاربتها بلاده لسنوات برفع سقف الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية، بدعوى وقف الاستغلال الصيني للسوق الأميركية المفتوحة.
والواقع أن الصين استفادت كثيراً من هذه السوق بعد انضمامها لمنظمة التجارة، فزاد العجز التجاري (لصالح الصين) بين البلدين من 28 ملياراً في عام 2001 إلى 251 ملياراً في عام 2016.
ويبدو أن استغلال الصين للوائح منظمة التجارة العالمية غيَّر كثيراً من المفاهيم الاقتصادية، فتحولت أميركا ودول الاتحاد الأوروبي من داعمين لهذه المنظمة، لمنتقدين لها. واتخذت الولايات المتحدة سياسة الحماية الاقتصادية أسلوب الصين نفسه الذي انتقدته لحماية اقتصادها. ومما دعم الرئيس الأميركي في هذه الإجراءات، الحملة الشعوبية التي اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة، حتى أثرت بشكل واضح في الاقتصاد العالمي، كما أن كثيراً من الدول انتهجت الأسلوب الشعوبي ذاته، سواء كان بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو بمطالبات المتظاهرين في فرنسا بأن يتبع الرئيس ماكرون نهج الرئيس ترمب. كما لم تبتعد الصين كثيراً عن هذا الأسلوب بتبنيها برنامجاً يوطّن الصناعات التقنية في الصين. جميع هذه المؤشرات تدل على أن التكامل الاقتصادي الدولي لم يعد همّاً لدول العالم، في زمن التفتت، كل دولة إلى نفسها باحثة عن مصلحتها بصراحة واضحة.