العثور على المحيط

العثور على المحيط

الأحد - 17 صفر 1440 هـ - 28 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14579]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
في الاختصار، كان كريستوفر كولومبوس «فشاراً». اقتنع ملك إسبانيا بتمويل رحلته إلى الهند فإذا به يرسو في أميركا. ولما عاد من رحلته الأولى أراد أن يموِّل الرحلة الثانية، فعرض في شوارع إشبيلية كل ما جاء به من العالم الجديد: طيور زاعقة فاقعة الألوان، وببغاوات لا تكف عن الثرثرة، وجوز الهند، ونماذج من الذرة الصفراء، وأساور من الذهب سرقها من أصحابها أو قايض بها بالخرز الملون.
وملأ إسبانيا حكايات عن الذهب في الأرض التي عاد منها: «أرض الذهب». الدورادو. خذ معك مجرفة، سطح الأرض، فتلقى تحتها بساطاً لا ينتهي من الذهب. وتجَّمع الإسبان يريدون الانضمام إلى رحلته. الهاربون من فقرهم والهاربون من ديونهم والهاربون من زوجاتهم. قساة وبائسون ويائسون نكّلوا بالسكان الأصليين. ولم يجدوا الذهب، بل المستنقعات المليئة بالحشرات القاتلة وأدغالا بلا حدود.
لكن هذا الإيطالي «الفشار»، القليل العلم بالجغرافيا، بدأ أعظم رحلات استكشافية في التاريخ. وسوف يكتشف الإسبان أيضاً المحيط الهادي. وسوف يتحول البائسون والمدينون والهاربون من زوجاتهم إلى إمبراطورية يتحدث لغتها أهل نصف الكرة الغربي.
من صنع تلك الإمبراطوريات التي امتدت حول العالم وتحوّلت الآن إلى دولٍ عادية؟ أي بريطانيا والبرتغال وإسبانيا بالتحديد؟ المضحك أن الذين صنعوها كانوا في أغلبيتهم هاربين من القانون. بريطانيا أرسلت إلى أستراليا رعاع السجون، وكذلك إلى كندا. هكذا فعلت فرنسا أيضاً عندما نفت إلى الجزر شتى أنواع اللصوص. لكن الزُمَر من الأشقياء كان يقودها دائماً رجالٌ شجعانٌ بلا حدود من المستكشفين. فالعالم مديون للإسبان باكتشاف الأطلسي والهادي معاً. ومديونٌ للبرتغال باكتشاف البرازيل وثرواتها التي لا تزال تتحدث البرتغالية. جميعها كانت عبارة عن ملاحم من القسوة والفظاظة والجريمة والنجاحات. وظلَّ أبرز وأشهر هؤلاء الإيطالي «الفشّار» كولومبوس، الذي لم يولد في العصر الذي كانت فيه روما تحكم العالم، فكان أن سخّر مغامرته للإسبان يطأون «العالم الجديد»، وهو الاكتشاف الذي سوف يغيّر معالم الكرة الأرضية إلى الأبد.
لم تدُم العصور الإمبراطورية طويلاً، والسبب الأساسي في ذلك أن الاستعمار كان متوحشاً في الغالب يُعامِلُ المواطنين الأصليين عبيداً وأرقّاء. وعندما بدأ ينتبه إلى خطئه الكبير، كان الأوان قد فات، وقامت بينه وبين الأهالي ضغينة لا تنسى. في المقابل يُطرَحُ سؤالٌ آخر: ماذا لو بقيت تلك الدول من دون وصول التقدّم الأوروبي، وظلّت خلف المحيطات وبحار الظلمات؟ لقد اكتشف العالم بعضه بعضا وتحوّل تلقائياً إلى قارة واحدة، لكنّه ظلّ كما قال كيبلينغ، شرقاً وغرباً ولا يلتقيان.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة