دليلهم إلى النسوية

دليلهم إلى النسوية

الأحد - 17 صفر 1440 هـ - 28 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14579]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
كان الكتاب لطيفاً وهو يتصدر واجهة المكتبة القريبة من البيت. هذه المكتبة أيضاً ستختفي بعد أسبوعين، وسيحل محلها دكان للبضائع الرخيصة، «خردة فرّوش». الهنود والباكستانيون يغزون باريس، ويفتحون فيها مطاعم زهيدة الأسعار، ودكاكين للخياطة ولترتيق الثياب. يدعوك الخياط لأن تأتيه ببدلتك القديمة وهو سيعيدها إليك آخر موضة. وقبلهم، كان الصينيون والفيتناميون قد تمددوا في المدينة، واستولوا على كثير من المقاهي ونقاط بيع السجائر والتبوغ. هل من معترض؟ حاشا. كلنا مهاجرون. والرزق ميدان يسعى فيه من يسعى.
أين كنا؟ لا أحتفظ بثياب قديمة ولا شغل لي في سوق الخياطين. لكن هذه المكتبة تستوقفني في كل رواح ومجيء. وصاحبها يعلن أنه قرر تنزيلات على الأسعار لتصفية الكتب المتبقية لديه. وفي كل الأحوال، كنت سأشتري ذلك الكتاب المعروض في الواجهة بالثمن المطلوب. إنها غواية الأغلفة. وعلى الغلاف شارب أصفر اللون فوق شفتين ورديتين. والعنوان: «الدليل الصغير للرجال إلى النسوية». والنسوية (فيمينست) ليست فصيلة من الرخويات، بل بنات حواء الغاضبات من تعسّف أبناء آدم. وهو اشتقاق لغوي شاع في الولايات المتحدة وبريطانيا أواخر القرن التاسع عشر، ثم اجتاح العالم وجمع تحت رايته النساء المطالبات بتعديل القوانين التي تحابي جنساً على حساب آخر. وفي البداية، طالبت النسويات بالحق في التعليم وفي العمل، ثم توالت بقية الحقوق: الانتخاب والترشح والإجهاض وتقاسم المناصب التي كان يحتكرها الرجال. ارتدت النساء البنطلون وتركن للاسكوتلنديين التنورة.
إذن، هو كتاب يتوجه إلى الرجال. ولعل هذا ما يغري بالتلصص عليه. فالمؤلف، جيريمي باتينييه، يخاطب قراءه بالقول: «أيها السادة، إن الحركة النسوية مفيدة لنا أيضاً. ولا تصدقوا الذكوريين الذين يتصورون أنها لا تخصنا. إنها تعنينا وتخصنا، إذ كيف يمكن تحقيق المساواة من دون مساهمة الرجال؟». وهكذا، في 224 صفحة، يمضي الكاتب في استعراض وجهة نظره بأسلوب لطيف طريف، ويورد أمثلة ذكية عن الفوائد التي سيجنيها الزوج حين يجاري الزوجة، ويفسح لها في المجال، ويؤيدها في أفكارها. وللبرهان على صحة نظريته، يقدم المؤلف جداول إحصائية واستعارات من التاريخ، ويتوقف عند وقائع ذوات دلالة. ولكي يواصل الاستيلاء على ذهن القارئ، فلا يضجر منه أو يستسخفه، فإنه يُضمّن الكتاب تمارين تشبه أسئلة استطلاع الرأي، أو الاختبارات العاطفية التي تنشرها المجلات النسائية. ومقابل كل جواب مجموعة من العلامات، وحاصلها يدّل على شخصيتك.
باختصار، هذا كتاب ملعون آخر. بالمعنى المخفف للمَلعنة، أي بوصفها شكلاً من أشكال الاحتيال. وهو قد أوقعني في فخّه، وباعني حفنة فول سوداني، كلاماً في كلام. لماذا أشعر بالحنق وهي مهنتي أيضاً؟ لا بد من الاعتراف بخفة دم المؤلف. وهو لا يمضغ الأفكار التي أكل عليها الدهر وشبع وتجشأ. متى كانت آخر مرّة لجأت فيها إلى استخدام تعبيري: الجنس اللطيف والجنس الخشن؟ تلك مصطلحات سادت ثم بادت. والواقع يقول إن الخشونة واللطافة صفتان مُشاعتان، لا فضل لرجل فيهما على امرأة، ولا العكس. ومن حسن الحظ وجود رجال برهافة الدِمَقْس الوارد ذكره في مُعلّقة امرئ القيس. أي القزّ، أي الديباج، أي الإبريسم، أي ما يشبه الحرير. كيف أشرح الدِمَقْس للمؤلف مسيو باتينييه؟

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة