الرئيس الفرنسي يجتاز مرحلة من «المطبات الهوائية»

شعبية ماكرون تتهاوى وسط انتقادات للإصلاحات التي يقودها
الخميس - 3 محرم 1440 هـ - 13 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14534]
باريس: ميشال أبو نجم

تتعاقب الأيام والأسابيع متشابهة بالنسبة لرئيس الجمهورية الفرنسية الذي يعمل جاهدا لإزالة البقع التي لطخت الأشهر الأخيرة من عهده الحديث واستعادة نصاعته الأولى. ولكن حتى اليوم، يبدو أن مهمته بالغة الصعوبة. وكم تبدو بعيدة تلك الفترة التي كانت خلالها أسهم إيمانويل ماكرون ترتفع في بورصة الشعبية والتجديد والإصلاح والحداثة و«العالم الجديد»، مقارنة بما هو عليه وضعه اليوم. وما أمل به الرئيس الفرنسي لجهة أن تمحو العطلة الصيفية من ذاكرة الفرنسيين صعوبات الأشهر الأخيرة، لم يتحقق، لأن هذه الصعوبات عادت لتطفو على سطح الأحداث في دوامة لا تنقطع.
آخر «الغيث»: عودة فضيحة «بنعالا» لتحتل واجهة الحدث السياسي بعد أن غابت عدة أسابيع عنه، والسبب معاودة لجنة التحقيق التي شكلها مجلس الشيوخ جلساتها واستكمال استماعها لشهود رئيسيين على علاقة مباشرة بها في قصر الإليزيه. وللتذكير، فإن الفضيحة انطلقت يوم 18 يوليو (تموز) الماضي عندما كشفت صحيفة «لوموند» المستقلة أن الرجل الذي يعتمر خوذة رجل شرطة ويحمل شارتها الرسمية، وهو يعامل بعنف شديد متظاهرا ومتظاهرة في 1 مايو (أيار) الماضي يوم عيد العمال، ليس سوى ألكسندر بنعالا الذي يشغل وظيفة حارس شخصي للرئيس ماكرون.
والفضيحة ليست فقط في أن بنعالا لم يكن أبدا مؤهلا للتدخل في قمع المظاهرة منتحلا صفة شرطي، بل وكذلك لأن سلطات الإليزيه تساهلت معه في العقوبة الخفيفة التي فرضتها عليه ولم تبلغ القضاء بما ارتكبه، الأمر الذي يعد مخالفة لما ينص عليه القانون.
من هنا، ارتفعت الأصوات لتندد برغبة في «التستر» على الجرم المقترف، ولتطرح «تساؤلات» حول طبيعة عمل أجهزة القصر الرئاسي. ورغم أن بنعالا قد أقيل من وظيفته، فإن الفضيحة لم تنطفئ، وهو مطلوب للمثول أمام لجنة مجلس الشيوخ في 19 سبتمبر (أيلول) الحالي، كما أن هناك تحقيقا قضائيا قد فتح بحقه. وما بين القضاء ولجنة التحقيق، فمن المرجح أن تبقى هذه الفضيحة رهن الجدل وبابا لاستهداف ماكرون، وإضعاف عهده وحكومته. وحجة المنتقدين من اليمين واليسار أن ماكرون جاء إلى السلطة مع وعد بتشريع الأبواب أمام «عالم جديد» يحكمه القانون، وتغيب عنه الممارسات السابقة الممجوجة. لكن ما يراه الفرنسيون ويعيشونه يُبيّن أن عالمهم «الجديد» لا يختلف كثيرا عن «العالم القديم» في ممارساته وألاعيبه.
قبل أيام، استقال وزير البيئة نيكولا هولو من منصبه. وحججه أن وعود العهد بسياسة بيئية طموح لم تتخط مرحلة الوعود. وذهب هولو، وهو الوزير السابق الأكثر شعبية في الحكومة، إلى اتهام السلطات بأنها «رهن ضغوط مجموعات اللوبي» المختلفة. وكانت استقالته بمثابة «صفعة» للعهد الذي نجح في إقناعه بالدخول إلى الحكومة، حيث فشل رئيسان سابقان هما نيكولا ساركوزي اليميني وفرنسوا هولاند الاشتراكي في ذلك. وكان ماكرون قد جعل من «حماية البيئة» أحد أهم محاور رئاسته. لكن هولو وجد أن الإنجازات في هذا المجال ضعيفة للغاية، ودون المستوى المطلوب، وأنه «شاهد زور».
وكانت استقالته فرصة لماكرون ليتخلص من بعض الوزراء، وعلى رأسهم وزيرة الثقافة فرنسواز نيسان، التي تحوم حولها شبهة مخالفة القوانين سارية المفعول في البناء والمحافظة على التراث المعماري، لكن ماكرون أبقى نيسان في منصبها، واكتفى بأن سمى رئيس البرلمان فرنسوا دو روجي وزيرا للبيئة، وزكى النائب ريشار فران، رئيس مجموعة نواب حزبه «فرنسا إلى الأمام» ليكون رئيسا للبرلمان. وسبق أن حامت حول فران القريب جدا من ماكرون شبهات الاستفادة من موقعه بصفته مسؤولا محليا سابقا في منطقة بروتاني، لتمكين شريكة حياته من تحقيق أرباح مالية في عملية عقارية. والمشكلة أن تحقيقا قضائيا قد فتح بحق رئيس مجلس النواب الجديد. وقال جان ليونيتي، نائب رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني، إن ريشار فران «ليس الشخصية التي تمثل التجديد» وإنه سيكون في موقع حرج إذا وجهت إليه اتهامات رسمية لأن ذلك يتطلب رفع الحصانة عنه عبر الحصول على ضوء أخضر من البرلمان الذي يرأسه فران.
قبل أيام، كانت أنظار الفرنسيين مسمرة على شاشة التلفزيون. والسبب أن رئيس الحكومة إدوار فيليب، كان يتأهب للإعلان عن قرار ماكرون في موضوع نظام جباية الضرائب من الفرنسيين الذي أحدث شرخا داخل الحكومة. والسؤال هو: هل من الأفضل الإبقاء على النظام القديم أم تبني نظام جديد يتيح جباية الضرائب «من المنبع»، أي اقتطاعها مباشرة من الرواتب كما هو حاصل في كثير من البلدان الأوروبية؟ المشروع في الأساس أقر في عهد الرئيس هولاند، وبالتالي، فإن التردد والتأرجح في الأيام الأخيرة عكس صورة غير مألوفة عن ماكرون الذي عرف بحسمه. وأحدث ذلك بلبلة لدى الرأي العام، ومخاوف لدى الفرنسيين من أن يؤدي التدبير الجديد إلى الإضرار بمستوى معيشتهم.
هذه الصعوبات ارتدت على شعبية ماكرون التي هبطت بشكل مخيف، بحيث إن أقل من ثلث الفرنسيين ما زالوا يؤيدون سياسته، لا بل إن النسبة تدنّت أكثر مما عرفته شعبية هولاند بعد الفترة عينها من الرئاسة. ومع عودة التضخم وتراجع توقعات النمو الاقتصادي وبقاء البطالة على حالها، فإن كثيرا من الفرنسيين يتساءلون عن نجاعة سياسة ماكرون الاجتماعية والاقتصادية، و«جدوى» الإصلاحات التي سرّع وتيرتها منذ وصوله إلى قصر الإليزيه في ربيع العام الماضي. وكانت صورته أصيبت لأن قطاعات واسعة من الفرنسيين يعدّونها لصالح الطبقة العليا، وهم يرون في ماكرون «رئيسا للأغنياء».
وإذا كان الرئيس الفرنسي يراهن على «ديناميته» في السياسة الخارجية، أكان ذلك داخل الاتحاد الأوروبي، أم في علاقاته مع الدولتين الكبريين (الولايات المتحدة وروسيا)، أو لدوره في النزاعات الإقليمية (سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، وأوكرانيا...»، فإن مردودها الداخلي بقي ضعيفا إن لم يكن غائبا تماما ولا يمكن الرهان عليه.

إقرأ أيضاً ...