تأجير الفساتين الراقية في مصر مشروع تتسابق الفتيات عليه والشركات على تمويله

غادة الطناوي تتذكر كيف كانت زبوناتها يخفين مساهماتهن خجلاً في البداية
الخميس - 3 محرم 1440 هـ - 13 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14534]
القاهرة: إيمان مبروك

قبل أعوام قليلة مضت، لم تكن تتصور أي سيدة من الطبقات الراقية في مصر، تؤجر فستانها المصمم من قبل دار أزياء كبيرة فما البال بتأجيره؟. كان الأمر سيتحول إلى فضيحة بلا شك في حال تناهى الخبر إلى معارفها وأقاربها.
لكن المفاهيم تغيرت. فوسط عالم رقمي، تحوّل الاقتصاد من الشكل التقليدي القائم على رأس المال، إلى اقتصاد الفكرة، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ مفاهيم اجتماعية جديدة من خلال خدمات لم تكن متاحة من قبل، تُعلي مبدأ العملية وتكسر القوالب التقليدية للفكر المجتمعي.
وهذا ما حدث عن طريق الصدفة مع غادة الطناوي، الشريك المؤسس لشركة رائدة في مجال الموضة تُعرف بلارينا «la reina»، وتقوم فكرتها على استئجار فساتين الزفاف والسهرات لكبار مصممي الأزياء، لمن لهن الرغبة في الاستثمار. وبالنتيجة تعم الفائدة عليها بكسب مبلغ من المال بتأجير فستان زفافها عوض ركنه في خزانة على أمل توريثه، وعلى أخرى تحلم بفستان بتوقيع عالمي وثمن مناسب.
غادة الطناوي التي حصل مشروعها على تمويل يُقدر بمليون دولار العام الماضي، تروي أن البداية كانت عندما واجهت مشكلة شخصية أثناء البحث عن فستان زفافها، فمثل كل فتاة، كانت تبحث عن فستان الأحلام، ولكن اصطدمت بواقع يؤكد أن هناك خيارين لا ثالث لهما «إما أن أحصل على فستان بتصميم يحاكي خيالي مقابل ثمن خرافي، أو أن أترك أحلامي جانبا وأكتفي بفستان أنيق ربما يشبه كثيراً من التصاميم الموجودة في الأسواق».
كان بإمكان غادة أن تدخر لتحقيق حلمها لكنها كانت عقلانية وعملية كما تقول. «أنا كأي فتاة عصرية، درست الهندسة وأعرف جيداً قيمة المال، لهذا كانت فكرة أن أصرف مبلغا ضخما لقاء الحصول على فستان لن ألبسه سوى لساعات معدودات يُركن بعدها داخل خزانتي ليشغل حيزاً منها مزعجة بالنسبة لي». بعد تفكير وصلت إلى حل لا بأس به. بدأت تبحث في الدوائر المحيطة بها عما يُرضي طموحها لفستان العمر وتفكيرها كفتاة عملية. خلال رحلة البحث، اكتشفت أنها ليست وحيدة، وأن العديدات من بنات جيلها يعانين من المشكلة نفسها. هكذا، وبكل بساطة، ولد مشروع «لارينا» للوجود.
وتقول غادة: «من هنا بدأت تُلح علي فكرة إعادة تدوير فساتين الزفاف. أدركت جيداً وقتذاك أن مجرد التفكير فيها يُعتبر وصمة عار بالنسبة للبعض لسبب مهم هو نظرة الآخر. لكن في قرارة نفس الأغلبية فإنها كانت فكرة عملية ونافعة لجميع الأطراف». وهكذا قررت أن تكون الخيط الذي يصل بين العروس التي تحلم بفستان راق، والمؤجرة التي لا ترى داعيا أن يبقى فستانها الذي صرفت عليه الآلاف طعما للغبار فقط. وبما أنها كانت الوسيط فإن لا واحدة منهما تعرف شيئا عن الأخرى الأمر الذي يزيل الحرج.
تقول غادة إن مفهوم الاستئجار كان مرفوضاً تماماً حتى الوقت الذي أسست فيه وشريكها عمرو دياب منصة إلكترونية لإعادة تدوير فساتين الزفاف، منذ عامين. والطريف أن الفتاة المستأجرة لم تكن وحدها من يشعر بالحرج والخجل من العملية، بل حتى صاحبة الفستان. فهي «تشترط دائما عدم الكشف عن هويتها، خوفا من أن يعرف أحد من المقربين منها أنها تستثمر في فستان زفافها». وتتابع غادة: «كان الأمر يصل في بعض الأحيان إلى أن الزبونة إذا شعرت بقدوم شخص آخر لمقر الشركة خلال التفاوض تختبئ لأنها تشعر بالخجل». وتفسر غادة هذا الخوف إلى أن مفهوم الاستئجار مرتبط بتدني القدرة المالية، فكيف لفتاة أن تكشف بسهولة أنها غير قادرة على شراء فستان زفافها، أو أنها ترتدي فستانا مستعملا؟. الأمر نفسه يمكن قوله عن التي تستأجر فستانها».
بدأ مشروع «لارينا» كمنصة إلكترونية لها كيان واقعي محدود. حجرة داخل مكتب والد غادة، وفريق عمل يتكون منها وشريكها عمرو. بعد عامين فقط، تحولت الفكرة إلى شركة لها كيان اقتصادي مهم، حيث وصل عدد الفساتين المعروضة فيه إلى 500 فستان، ومن المتوقع أن يصل الرقم إلى 5000 بحلول العام القادم.
ولم يساعد نجاح المشروع في تحقيق أرباح ضخمة فحسب، بل «ساهم في تغيير نظرة المجتمع المصري إلى فكرة الاستئجار، وأصبحت الفكرة أكثر قبولاً».
الفضل في هذا التغيير يعود إلى ترحيب البعض بالأفكار الرائدة والخارجة عن السياق التقليدي، حسب رأي غادة الطناوي «فبعض العوامل ساهمت في تغيير النظرة السلبية لفكرة الاستئجار وتجريدها من مفهوم ضعف القدرة المالية إلى مفهوم العملية والاستثمار، أهمها أن الفئة المستهدفة للشركة هي الطبقات الاجتماعية الراقية. مع الوقت تخلصت العديد من الزبونات لمن عقدة الخجل بعد أن لمسن حجم المكاسب المادية. الأمر نفسه ينطبق على العروس، التي تتمكن من ارتداء فستان الأحلام من دون الحاجة إلى صرف مبالغ طائلة هي في أمس الحاجة إليها».
وتلخص الطناوي أن «الفئة العمرية المستهدفة من قبلها تبدأ من عمر 16 إلى 45 عاما، لأنهن أكثر عملية وأكثر اطلاعاً على حركة الموضة، وبأنها دائمة التغير. كما باتت لها اهتمامات أخرى، الأمر الذي ساهم في تقبل فكرة تدوير الفساتين، التي يمكن أن أشير إلى أنها اتجاه عالمي متداول حتى في الدول الكبرى التي تتمتع بمستوى اقتصادي أكثر استقراراً من مصر».
رغم أن أغلب زبائن «لارينا» من الطبقات الاجتماعية ذات الدخل الكبير، فإن فكرة المكاسب المادية كانت المشجع الأكبر لهن لتأجير فساتينهن. السبب، برأي غادة، يعود إلى أنهن وبعد اكتشافهن مدى الربح الذي يحصلن عليه، تخلصن من الخجل الأولي، وبتن يتباهين بالأمر أمام صديقاتهن لما فيه من استثمار. فقد تحصل الواحدة منهن على ما يقرب من 100 ألف جنيه مصري (5600 دولار) خلال 9 شهور، وهي مدة التعاقد بين الشركة ومالكة الفستان من دون جهد». في العام الماضي، حققت زبونات «لارينا» مكاسب مادية وصلت إلى نحو ثلاثة ملايين جنيه مصري (168.5 ألف دولار).
وتأمل غادة في تحقيق المزيد لمنصتها، لا سيما بعد حصولها مؤخرا على دعم مادي من صندوق رأس المال المخاطر «ألجبرا فينتشرز»، وشركة «500 Startups» قيمته مليون دولار، بعد «منافسة شرسة مع عدد من المشروعات الرائدة».

إقرأ أيضاً ...