روبرت ردفورد يعلن اعتزاله وهو في القمة

جمع بين جاذبية الوسامة وموهبة التمثيل
الخميس - 3 محرم 1440 هـ - 13 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14534]
تورونتو: محمد رُضا

نجوم الأرض تسطع ثم تأفل. البعض يرحل (كما بيرت رينولدز قبل أيام، وروجر مور وبن غازارا وبيتر أوتول قبل سنوات). البعض يعتزل (كما جين هاكمن وشون كونيري وجاك نيكولسون) أو يحاول ولا ينجح في البقاء على سدة مهنته (وورن بيتي، ودستن هوفمن).
روبرت ردفورد، الذي أعلن اعتزاله قبل أيام قليلة، كان مع كلينت إيستوود وبيرت رينولدز، أحد القلائل جداً الذين انطلقوا في مطلع ستينات القرن الماضي، وثابروا على العمل بلا توقف منذ أن كانوا في أوج الشباب.
في حين أن إيستوود (88 سنة) يعتبر أكبرهم (بدأ التمثيل قبل زميليه عندما كان ما زال في الخامسة والعشرين من عمره، أما بدايتا رينولدز (82 سنة) وردفورد (82 سنة أيضاً) فكانتا متقاربتين. الأول ظهر لأول مرّة سنة 1961، والثاني، ردفورد، ظهر قبله بعام واحد.
المشترك الآخر بين الثلاثة، إلى جانب انتمائهم إلى جيل واحد، هو أن الثلاثة اتجهوا للإخراج توسيعاً لبؤرة مفهوم العمل، كما لشق طريق مواز للتمثيل: إيستوود انبرى لدور الإخراج سنة 1971 بفيلم «Play Misty For Me» ورينولدز تبعه بعد خمس سنوات بفيلم «Gator» ثم التحق ردفورد بهما، فحقق فيلمه الأول «Ordinary People» سنة 1980.
يمكن إضافة وودي ألن (83 سنة) إلى هذه المجموعة، كونه ورد في الفترة ذاتها؛ لكنه لم ينتم إلى هوليوود؛ بل إلى نيويورك (ثم إلى أوروبا قبل عودته إلى نيويورك) على عكس هؤلاء الفرسان الذين تمتعوا بما يكفي من الكاريزما والموهبة معاً، ما جعلهم أبرز من خلانهم في كثير من الأصعدة والجوانب.
- أدوار بارعة
روبرت ردفورد أعلن، في حديث لمجلة «إنترتاينمنت ويكلي» قبل عدة أسابيع اعتزاله كل شيء: التمثيل والإخراج وقيادة مهرجان «صندانس» الشهير. قال: «كان عمري 21 سنة عندما دخلت التمثيل. هذا يكفي».
لم ينكب إعلام الوسائط الاجتماعية على هذا الإعلان، إلا بعد مرور نحو عشرة أيام، فتحول الأمر من خبر قصير إلى مقالات من مختلف الأطوال، بعضها حاول التحليل والتفسير، والبعض نبش في سيرة حياته، كما لو أن الممثل الشهير أعلن عن قرب وفاته.
بيننا، شدنا الاسم المحكم والسهل: روبرت ردفورد؛ لكن هذا ليس الجاذب وحده. روبرت ردفورد كان الأكثر وسامة من كل الذين ظهروا في مطلع الستينات، باستثناء وورن بيتي. أكثر وسامة من رينولدز وإيستوود وجاك نيكولسون، و(بالطبع) وودي ألن. الخطر المحدق كان أن يخفق النقاد في تقييمه، فيعتبرونه مجرد وجه جميل، وهو أدرك هذا الخطر باكراً، فأصر على أدوار درامية كاشفة للمكنونات، واستطاع بذلك أن يعبر الجسر ما بين الجاذبية الظاهرة والجاذبية الخفية التي نسميها الموهبة.
الدور الأول الذي أُتيح لروبرت ردفورد تمثيله، كان «حكاية عالية» (Tall Story) سنة 1960، وهو فيلم منسي اليوم، حققه كدراما حول لاعب رياضي (أنطوني بيركنز)، المخرج جوشوا لوغن الذي كان يود منح الدور الأول لوورن بيتي؛ لكن «وورنر» مانعت على أساس أن بيتي لم يكن مشهوراً ليحمل عبء فيلم من بطولته. هذا الفيلم الأول لردفورد كان كذلك الفيلم الأول لجين فوندا.
في أعقابه بعد عامين، فيلم حربي عنوانه «صيد حرب» (War Hunt). وبعد فيلم كوميدي – حربي، بعنوان «الوضع يائس»، انتقل ردفورد إلى الصف الثاني، فظهر مع كريستوفر بلامر ونتالي وود، في فيلم روبرت موليغن «داخل دايزي كلوفر» (Inside Daisy Clover).
الفيلم كان أفضل ما ظهر فيه ردفورد من أعمال حتى ذلك الحين، كذلك حال فيلمه اللاحق «المطاردة» (The Chase)، لآرثر بن (1966).
روبرت ردفورد شاب دخل السجن بتهمة مزوّرة، ويصل خبر هروبه وقرب عودته إلى القرية، ليفجّر مخاوف من يخشى كشف الحقيقة. مارلون براندو، الممثل الأول في هذا الفيلم التشويقي المتقن، هو شريف البلدة الذي يجد نفسه فجأة في مواجهة أربابها المندفعين بالحقد والعنصرية. هؤلاء يشكّلون شرذمة تنوي اصطياد الهارب، وفي سبيل ذلك تعتدي على رجل أسود يعتبره السجين الهارب صديقه، كما على براندو الذي يسعى للحد من نفوذ هذه النخبة الفاسدة.
في سنة 1966 أيضاً، اختاره المخرج الراحل سيدني بولاك، بطلاً لفيلمه «هذه المُلكية مُدانة» (This Property is Condemned) وكان ذلك بداية رحلة عمل مشتركة بينه وبين بولاك، شملت خمسة أفلام أخرى، هي «جيريميا جونسون» (1972)، و«كيف كنا» (1973)، و«ثلاثة أيام للكوندور» (1975)، و«الفارس الإلكتروني» (1979)، و«خارج أفريقيا» (1985).
اختلف كل واحد من هذه الأفلام عن الآخر اختلافاً شاسعاً. «جيريميا جونسون» كان «وسترن» حول رجل منعزل في بعض بقاع الغرب البعيد، يقاتل وحشة الطبيعة ووحوشها وخداع البيض وقساوة الهنود على حد سواء. «كيف كنا» جاء دراما عاطفية غير رومانسية، تعكس موقف الشاب المحافظ (ردفورد) وصديقته اليسارية (باربرا سترايسند) من سياسة أميركا الداخلية. «ثلاثة أيام للكوندور» تشويق سياسي، حول موظف في جهاز جمع معلومات، يجد نفسه طريد المخابرات الأميركية التي قتلت كل زملائه وتلاحقه الآن. بعده «الفارس الإلكتروني» (The Electric Horseman) هو نوستالجيا لرجل يحب العيش في الماضي وعلى ظهر حصانه، في مقابل الانتقال إلى المدينة، على الرغم من وقوع امرأة (جين فوندا) في حبه. أما «خارج أفريقيا» فهو عن بارون أوروبي واقع في حب امرأة (ميريل ستريب) واقعة في حب صيد الفيلة.
كل واحد من هذه الأفلام عكست نقداً لشخصية أو لوضع؛ لكن أبرزها (وأقواها) كان «ثلاثة أيام للكوندور» الذي تعامل، قبل عشرات الأفلام اللاحقة، مع فساد إداريين في وكالة المخابرات الأميركية، في سيناريو محكم وإخراج ممتاز، من بولاك.
- ردفورد مخرجاً
لكن أفلاماً كثيرة لردفورد في تلك الفترة (السبعينات والثمانينات) كانت أيضاً جيدة ولامعة وذات أهمية كبيرة. «بوتش كاسيدي وصندانس كِد» (1969) لجورج روي هِل، كان أحدها: «وسترن» مع الراحل بول نيومان، حول شريرين معروفين في الغرب الأميركي، يصقلهما الفيلم في تحية. «أخبرهم ويلي بوي هنا» (Tell Them Willie Boy is Here)، «وسترن» (حديث)، حول الهندي الهارب من مطارديه (روبرت بليك) من الشريف (ردفورد) ورجاله. في «الجوهرة الساخنة» (The Hot Rock) لبيتر ياتس (1972) هو لص المصارف الذي سيستولي بنجاح على تلك الجوهرة الثمينة رغم العراقيل. أما «المرشح» لمايكل ريتشي (1972)، فهو فيلم سياسي عن الانتخابات الرئاسية في أميركا، والثمن المطلوب من بطله (ردفورد) دفعه للنجاح.
«لدغة» هو لقاء آخر له مع نيومان والمخرج هِل، تلاه (لجانب أعمال أخرى) «كل رجال الرئيس» لألان ج. باكولا، لاعباً دور المحقق الصحافي بوب وودوورد، الذي كشف مع زميله كارل برنستين (دستن هوفمن) النقاب عن فضيحة «ووترغيت».
ثم عاد لطرح موضوع الفساد الإداري والسياسي في «بروباكر» لستيوارت روزنبيرغ، لاعباً شخصية محقق دخل أحد السجون كما لو كان سجيناً، حتى يكتشف ما يقع فيه من جرائم قتل وفساد قبل أن يتسلم إدارته.
في عام 1980، انتقل إلى الإخراج بدراما محاكة جيداً عنوانها «أناس عاديون». على جودة الفيلم آثر الانتظار ثمانية أعوام قبل عودته في فيلم جيد آخر من إخراجه، هو «حرب ميلاغرو بينفيلد». بعد ذلك قدّم واحداً من أنجح ما حققه، كمخرج، تجارياً «Quiz Show» سنة 1994، ثم واحداً من أرق وأفضل أفلامه (كمخرج أيضاً) وهو «The Horse Whisperer» سنة 1998 مع البريطانية كرستن سكوت توماس. وبعد عامين منه، أنجز «أسطورة باغر فانس» (2000)، وانتظر سبع سنوات قبل أن يحلل التدخل الأميركي في أفغانستان والعراق في «أسود كحملان». فيلمه السابع مخرجاً كان «المتآمرة» (2010)، وبعده فيلم رائع آخر عاد فيه إلى تأكيد خطه السياسي، هو «الصحبة التي تحتفظ بها» (2012)، لجانب جولي كريستي وسوزان ساراندون، وهما اثنتان من بين الممثلين الذين يشاركونه رؤيته السياسية.
الفيلم المقبل هو «العجوز والمسدس». يباشر بعرضه في منتصف الأسبوع القادم. هو فيلم مأخوذ عن مقال نشر قبل سنوات في مجلة «ذا نيويوركر» حول سارق مصارف هرب من السجن وهو في السبعين من العمر، وعاد إلى منواله. ردفورد يقود حفنة ممثلين بينهم داني غلوفر وتوم ويتس وسيسي سبايسك وكاسي أفلك، تحت إدارة المخرج ديفيد لاوري، كما يقوم بإنتاجه مع آخرين.

إقرأ أيضاً ...