فيلسوف الفنادق

الثلاثاء - 1 محرم 1440 هـ - 11 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14532]

أعيد افتتاح «لوتيسيا» أحد أقدم فنادق باريس وأعرقها، بعد أربع سنوات من الإصلاحات والتحديث. وفيما كثرت وانتشرت فنادق باريس الكبرى على الضفة اليمنى، كان «لوتيسيا» الفندق الأول على الضفة اليسرى، يؤمّه أدباء فرنسا وحملة نوبل، وكبار الفنانين وبينهم بيكاسو.
وكان لكل أديب وفنان حكاياته مع الفندق وردهاته، كما لمعظم مقاهي الضفة اليسرى ومنها مربع السان جيرمان، أشهر مرابع المفكرين. غير أن «لوتيسيا» تميّز، خلافاً للعناوين الأخرى، باسم عربي مثير للجدل في حياته وفي مماته. أثار الجدل حول نفسه وحول زملائه وحول أصدقائه، على قلتهم، وحول أقاربه وحول كل من مرّ به.
ليس لأنه كان كبير الفلاسفة العرب، كما وصفه تلميذه أنيس منصور، بل لأنه كان طبعاً جياشاً وروحاً قلقة ونفساً تائهة وقاربا ثقافياً مبحراً في أمواج المعرفة وأعاصيرها. وبعكس أهل العلم وأعلام الأكاديميا، كان مغروراً ومتغطرساً، ولا يقبل النقاش. أحب مصر لكنه هجرها لم يطق الحياة فيها. وجاء إلى فندق لوتيسيا يعيش نحو ثلاثين عاماً في غرفة صغيرة، تنازعه عليها الكتب، ولا يبقى له منها سوى حافة السرير ومكان الوسادة.
وفي هذه الغرفة استكمل عشرات الكتب التي ألّفها، بمذكرات من ثلاثة أجزاء، ضمنها غضبه من البلدان التي درس في جامعاتها، مثل ليبيا ولبنان، والأساتذة الذين عمل معهم، والعمداء الذين لم يحترم كفاءاتهم، والتلامذة الذين لم يروقوا له. ولم تتردد الجماهيرية الشعبية في إرسال الفيلسوف إلى السجن بسبب وشاية من أحد زملائه بأنه غير معجب بالفكر الأخضر.
اختصرت سيدتنا ومعلمتنا سناء البيسي الدكتور عبد الرحمن بدوي وحياته العاصفة بأنه «أبو لسان طويل». وأهل فندق لوتيسيا، الذين عاشوا مع النزيل المنعزل طوال سنين، كانوا يتحدثون باحترام فائق عن «الدكتور بدوي». وإلى حد بعيد، كانوا الأسرة الوحيدة التي عاش بينها كل هذا الوقت. والمجموعة الوحيدة التي لم يغضبها ولم تغضبه: غرباء تركوا له أن يعيش في وحدته وغربته ولغته، هو الذي أتقن من اللغات سبعاً، وظلت اللكنة المصرية لغته الأم.
هذه تأتي مع الرضاعة والمياه. أعرف مهاجرين تركوا مصر وهم أطفال ولا تزال جميع أوتار حناجرهم مصرية بصرف النظر عن اللغة التي يتحدثون بها. وتتعرف في نيويورك على المستر طوماس، لكن عندما تشكك في نغم اللهجة، تكتشف أنه عبد التواب من دمنهور. وقد ترك عبد الرحمن بدوي في لوتيسيا اسما يضعه الفندق على لائحة الشرف، وآثار رجل غاضب، طيب القلب، جاء من شرباص ليضع نحو 175 مؤلفاً.