قبل أن يفيض الكيل ويتبصرن لبنان

الثلاثاء - 1 محرم 1440 هـ - 11 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14532]

في ضوء حالتيْن مستجدّتيْن يستحوذ عليهما المشهد السياسي العربي يخلُد إلى التأمل المرء مثل حالي كصحافي وكاتب، عايَش على مدى نصف قرن عربي عاصف صولات الاقتتال الذي أزهق من الدم العربي ما يملأ بحيرة ومن الصدمات ما تهد جبلاً ومن التدخلات التي ظاهرها الود وباطنها الطمع والشراهة، ما تجعل الإحباط هو القاعدة والطمأنينة هي الاستثناء.
وكانت البداية لبنان الذي صنَّفه أحد زعمائه ذات محنة بعبارة «لبنان قوي في ضعفه». وعلى وقْع هذا التصنيف كثرت جحافل الغزاة الطامعين به وبات عكس ما أراده عميد زعماء السنة رياض الصلح، وعميد زعماء الموارنة بشارة الخوري، للعهد الاستقلالي، ممراً للكثيرين ومستقراً بصيغة الضيف الذي هو رب المنزل في نظر المضيف، للأخ الإيراني الذي في لحظة تشاوُف مكروه تجاوز الأصول واعتبر حدود إيران تصل إلى آخر نقطة في الناقورة إحدى ضفاف البحر الأبيض المتوسط. وهو رسم جديد في الحلم الثوري الإيراني للخرائط من نوعية خرائط «سايكس - بيكو».
انتفاضة البصرة أسبابها الموجبة ظاهرها اقتصادي ومعيشي، لكنها تعكس في مضمونها حالة احتقان من أفعال رموز التحرش في شؤون الآخرين وتتسع مساحة التحرش، بحيث تأخذ صيغة إملاء المواقف وإخضاع الإرادات. وإذا جاز القول فإن فيضان الكيل البصراوي وإلى حد إحراق مبنى القنصلية الإيرانية في البصرة التي لطالما أشبعت العراقيين من ذهبها الأسود بعد بغداد. وهذا عدا الكلمات التي صدرت من حناجر الناس المصدومة بالجار المتحرش على مدار الساعة والذي رغم تبريراته الدنيوية والمذهبية تبقى حالة من حالات العدوان... إنه إذا جاز القول والتشبيه فإن إحراق المبنى المشار إليه هو مثل احتلال الجمع الشبابي الإيراني للسفارة الأميركية في طهران. ففي لحظة فيضان الكيل يصبح استهداف الرمز المسبب للمعاناة هو وسيلة التعبير الاحتجاجية التي على الطرف المسبب أن يقرأ دواعي الاحتجاج، بما يجعله يعيد النظر مع ملاحظة أن فيضان الكيل يتجدد، ويأخذ ما هو أبعد من الصرخة الكلامية أو إحراق صور أو مقرات خصوصاً عندما يشمل التحرش تعطيشاً متوقعاً للبصراويين وسائر العراقيين، ويحدث ذلك فيما تعطيش آل البيت جزء من الأدبيات التي سيبلغ الحديث حولها مداه في المجالس العاشورائية، بدءاً من الثلاثاء أول محرم وعلى مدى أربعين يوماً. ثم إن قطْع المياه من إحراق رمزي للقاطع، تماماً كما أن قطْع الأرزاق من قطْع الأعناق.
هذا ما يتعلق بالحالة البصراوية، أما الحالة اللبنانية فتتمثل في رئيس الحكومة المكلَّف تشكيلها سعد رفيق الحريري، والذي يصطدم سعيه بأنواع من التعقيدات التي تعكس نيات لا تساعد على إنجاز أمر كانت الظروف التي يعيشها لبنان تستوجب إنجازه بعد بضعة أيام من التشاور، وبذلك يرد أهل الحُكُم للناس صبرهم الجميل على تحمُّل أثقال الوضع الشديد الوطأة.
وإذا جاز القول، فإن سعد الحريري بدا في ضوء الاجتماع المفاجئ المخمَّس الحلقات الذي عقده في مقر إقامته، وليس في ديوانه في السراي يوم الخميس 6 سبتمبر (أيلول) بـ«لبنان الأمني» الرسمي بدءاً بوزير الدفاع، ثم قائد الجيش ومعه مدير المخابرات في الجيش، ثم بالمدير العام للأمن العام الداخلي، ثم بمدير عام أمن الدولة، وفي الختام المدير العام للأمن العام... إن الرئيس المكلَّف سعد الحريري بدا في هذا الاجتماع بـ«لبنان الأمني» الرسمي كما لو أنه يأخذ دور «زرقاء اليمامة» تلك المرأة النجدية التي تتداول العرب كلاماً أسطورياً بعض الشيء حولها، وهو أنها كانت ترى على بُعد ثلاثة أيام، ولذا أنقذت قومها من عدوان عليهم من جانب أعداء احتموا بفروع الأشجار للتمويه، لكنها رغم ذلك رأت ما فعلوا ونبهت قومها فأنقذتهم، ومع ذلك استمروا لا يصدِّقون هذه القدرة عندها إلى أن ماتت فاقتلعوا عينيها، ووجدوا فيهما نوعاً من الكحل الأزرق العجائبي الفعل. حكاية ذات نكهة أسطورية لكنها استقرت في الأدبيات العربية وصارت «زرقاء اليمامة» صيغة تُطْلق على مَن يستبق حدوث المكاره. وهذه ربما حال سعد الحريري الذي قد يكون في ضوء ما يصادفه من مكائد وتعجيزات وكذلك في ضوء ما يجري من غرائب التلاعب السياسي من الأقربين والأبعدين، رأى، كما بعينَي «زرقاء اليمامة»، أن حراكاً شعبياً ما سيحدث كالذي جرى ويتواصل في العراق وبلغ أوجه في البصرة، وأن يتم إلقاء التبعات عليه وبذلك يتحمل وزر عدم تشكيل الحكومة. وليس مَن هو أدرى بحقيقة الوضع داخل المجتمع اللبناني مثل قيادات «لبنان الأمني» الرسمي. في اجتماعه بهم يستفسر وينبه ويتبادل الطمأنينة معهم. فمثلما ضاق صدره من التردي الحاصل فإن رموز «لبنان الأمني» الرسمي لا بد يقرأون في وجوه اللبنانيين تساؤلات حول إلى متى، وهل يمكن لأهل الأمن تسجيل موقف بديلاً لفعل ضاغط يضع حداً لما يعيشه لبنان من ممارسات تكاد تودي به إلى المجهول. وليس ممحياً من الذاكرة ما حدث قبل اثنتيْن وأربعين سنة، عندما أوجبت التعقيدات السياسية من جهة وانهيار الوضع الأمني من جهة أُخرى، واستشراء الخوف في نفوس الناس، وحدوث حالات من التفكك والانقسام في الجيش، التقاء مجموعة من الضباط على الأخذ بصيغة «البلاغ رقم واحد» بثّته الإذاعة اللبنانية مساء ذلك اليوم، وأوحى مضمونه أنه يأتي نتيجة فيضان الكيل، وانشغال رموز العمل السياسي والحزبي بصراعات على حساب الوطن والمواطن.
قصة تلك المحاولة طويلة وكيف انتهى أمرها، وما يعنينا من التذكير بها أن الانفجار ليس مستبعد الحدوث عندما يفيض الكيل فيتكرر «البلاغ رقم واحد» بفعل الاضطرار، قياماً بالواجب. وهنا نحن في لبنان، نتيجة ما هو حاصل، على موعد لا يلغيه سوى وقْف التنظيرات والتفكه بـ«اتفاق الطائف»، خصوصاً أن هؤلاء المنظِّرين والمتفكهين يتناسون حقيقة أساسية، وهي أنه لولا هذا الاتفاق الذي تم الإعلان عنه مساء يوم الاثنين 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1989 في القصر الملكي في جدة، لما كانت هنالك دولة ذات مؤسسات دستورية وشرعية استُعيدت بسعي مشكور من الملك فهد بن عبد العزيز وإخوانه وشعب المملكة العربية السعودية، وسائر الحادبين على الأخ الأصغر لبنان، وبالذات الملك الحسن الثاني والرئيس الشاذلي بن جديد، رحمة الله على الثلاثة الراحلين. ولولا اتفاق الطائف لما كان هنالك برلمان شرعي يسنّ القوانين ويمنح الثقة لرئيس الحكومة. بل وأكثر من ذلك لما كان هنالك أربعة رؤساء جمهورية (إلياس الهراوي. إميل لحود. ميشال سليمان. ميشال عون) ثبَّت كرسي رئاسة كل منهم اتفاق الطائف. ولو أن النيات كانت على درجة من الصفاء، لكان لبنان أفضل حالاً مما يعيشه الآن. وللتذكير، ما دامت ذكرى هذا الاتفاق الميمون بعد بضعة أسابيع (22 أكتوبر) نستحضر فقرتيْن من كلام الملك فهد أمام النواب اللبنانيين عسى في التذكير ما ينفع. وهاتان الفقرتان هما: «إذا كان الشعب اللبناني في خير وبحبوحة، انعكس ذلك على المملكة كما أن العكس صحيح». و«إن المشكلات إذا وُجدت وظلت باقية فإنها تستفحل بشكل أو بآخر، ومن ثم يبدأ مفهوم أي فرد أو مجموعة بعيدين عنها يأخذ مفهوماً آخر، خصوصاً إذا لم تكن هنالك اللقاءات المتواصلة أو جدَّت ظروف لم تكن في الحسبان...».
وحيث إن صيغة اتفاق الطائف هي الصيغة التي لا أنجع منها للبنان، فإن إطلالةً أكثر رحابة عليه تستوجب من متابع مثل حالي لدواعي إنجازه والظروف التي سبقت الإنجاز، حديثاً آخر... مع التمني بأن لا يفيض الكيل اللبناني، ويقترب الوطن المغلوب على أمره من الحال التي كان عليها قبل اتفاق الطائف. والله الهادي إلى التبصر والتعقل.