«قصصكم عالمسرح» عروض فنية تحوّل الداء إلى دواء

يقدم حكايات شخصية يحييها الممثلون مباشرة على الخشبة
الاثنين - 30 ذو الحجة 1439 هـ - 10 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14531]
بيروت: فيفيان حداد

يوم الأربعاء الثاني من كل شهر، هو موعد أصبح ينتظره اللبنانيون بحماس فيلتقون به مع فريق «وصل» الفني التابع لجمعية «لبن» للمسرح المرتجل من خلال عروض تمثيلية بعنوان «قصصكم عالمسرح».
ويعد هذا النشاط المجاني من نوع المسرح المرتجل قائم على قصص شخصية يفضفضها الجمهور ليعيد الممثلون إحياءها مباشرة على الخشبة. الزمان يقع في 12 سبتمبر (أيلول) المقبل. أما المكان فهو مسرح «بيت زيكو» الثقافي الواقع في منطقة الصنائع الموازي لشارع الحمراء غرب بيروت.
«إنه من نوع المسرح النفسي والاجتماعي، يقدم عرضا تفاعليا مرتجلا يشارك به الجمهور، ونقوم من جهتنا بتمثيل القصص ناقلين مشاعر الحكاية التي يروونها لنا صوتا وكلاما وجسدا». توضح نور ورداني إحدى المسؤولات في فريق «وصل» الفني.
يهدف هذا النشاط الذي عادة ما يجول في مختلف المناطق اللبنانية مطلا على قصص اللبنانيين من شرائح اجتماعية مختلفة، إلى مشاركة الناس تجاربهم الشخصية لمساعدتهم على النهوض من السلبية والاستمتاع بالإيجابية بعد إيصال روحها الفرحة إلى الآخرين. «إننا في لبنان والعالم العربي ككل لا نجد اليوم من يصغي إلينا. فالجميع منشغلون بأمورهم وأعمالهم وبمواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت في قطع العلاقات المباشرة بين الناس»، تؤكد نور، مشيرة إلى أن الفريق يفتح أبوابه أمام الجميع مرحبا بهم من دون تفرقة ومن عمر ما فوق الـ14 عاما. «من هم أصغر سنا قد لا ينخرطون في العرض كما هو مطلوب ولذلك فإن قلة قليلة منهم تزورنا».
أما القصص التي يرويها الناس مباشرة أمام بعضهم البعض ليعيد تمثيلها فريق «وصل» أيضا أمام الجميع فتتنوع ما بين عاطفية وبيئية واجتماعية وغيرها. «أحيانا يشعر أحدهم برغبة في إخبارنا عن فرحته بشراء ملابس جديدة. ومرات أخرى تطال هذه القصص أحداثا ومجريات صعبة عاشها صاحبها كالتعرض إلى الاغتصاب أو محاولة الانتحار والتحرش الجنسي والعنف المعنوي والجسدي. فعندما نستحدث له هذه المساحة الحرة للتعبير عما يخالجه يرتاح فيرويها لنا بتفاصيلها الدقيقة ولنمثلها بدورنا مختصرين أحداثها بحيث لا يتجاوز العرض المسرحي لكل قصة الـ10 دقائق». نجح فريق «وصل» في استقطاب عدد لا يستهان به من اللبنانيين إلى هذا النشاط الذي يدخل ضمن الراحة النفسية. «نحن لا نعد حالنا معالجين نفسيين بل فريق يؤمن للآخر مساحة آمنة ليفضفض ما في أعماقه ويشعر بالراحة إثرها». توضح نور ورداني في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط».
ولا تخلو هذه القصص من تلك المؤثرة والنابعة من واقع الإرهاب مثلا أو السجون وما إلى هنالك من مواضيع تلامس أصحابها وأهاليهم عن قرب. «هذا النوع من القصص لا يرويها أصحابها إلا في مجتمعات يثق بها ولذلك نصادفها بشكل أكثر في البقاع وفي طرابلس وفي مناطق أخرى نعقد فيها هذا النوع من اللقاءات دوريا».
وتتذكر نور قصة أحد المحاربين القدامى الذي روى قصته مع الحرب والمأساة التي عاشها عندما فقد صديقا له كان يتدرب على نوع من الأسلحة في حادث مؤسف. «هذه القصة صبت في خانة تشجيع الناس على صنع السلام بدل الحرب».
أما صعوبة المسرح المرتجل فيكمن في كيفية الفصل ما بين الشعور والتحليل النفسي. «صعوبات عدة نواجهها في عملنا ولكننا اعتدنا عليها وصارت من أدواتنا اليومية بفضل التمرينات المكثفة التي نقوم بها كفريق. «هناك قصص تصيبنا في العمق لأنها في بعض تفاصيلها تشبه أحداثا مررنا بها شخصيا كأفراد فريق. كما هناك هذا الثقل الذي نحمله على كاهلنا عند تفاعلنا مع قصة مؤثرة فتقلقنا إلى حد ما ولكن مع التمرينات التي نقوم بها تصبح كل هذه الأمور خلفنا».
ولدى فريق «وصل» شركاء يتعاونون معهم في تنظيم هذه اللقاءات كالمركز الثقافي البريطاني وجمعية «محاربون من أجل السلام» وغيرهم. «أن يستطيع المرء إخراج ما في أعماقه إلى العلن دون أي ضغوطات تمارس عليه نعده إنجازا نفتخر به كفريق فنستخدم الفن كرسالة إنسانية».
ومن بين الحالات اللافتة التي استقبلها الفريق المذكور تلك الخاصة بشابة عانت الأمرين من الإدمان ودخلت في متاهاته إلى حد جعلها شرسة تضمر الشر للآخرين. «لقد رفضت في البداية التحدث معنا عندما التقيناها في أحد مراكز علاج الإدمان (مركز أم النور). وعندما خرجت منه توجهت إلينا مباشرة وراحت تخبرنا أمام أعين الجميع عن معاناتها مع الإدمان وكان الأمر بالنسبة لنا إنجازا بحد ذاته. فقصة هذه الفتاة كانت بمثابة درس في الحياة لآخرين قد يقعون في هذا المطب. كما بينت لنا بأن الجلاد في مطارح كثيرة يكون هو أيضا الضحية في البداية».

إقرأ أيضاً ...