من يدفع ضريبة الزمن؟

من يدفع ضريبة الزمن؟

الاثنين - 30 ذو الحجة 1439 هـ - 10 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14531]
طارق الشناوي
ناقد سينمائي مصري
طبعاً هذا الجيل لا يتذكر منيرة المهدية التي حظيت بلقب «سلطانة الطرب»، ومن فرط نجاحها كثيرا ما كانوا يرددون أن مجلس الوزراء في العشرينات، من القرن الماضي، كان يجتمع في عوامتها الشهيرة على نيل القاهرة، وأن كبار الأثرياء يتسابقون على إشعال سجائرها بأوراق من فئة 100 جنيه، وتفاصيل أخرى كثيرة تؤكد أن حالة الهيام بها تجاوزت المنطق، هناك كالعادة مبالغات وحكايات مختلقة كل هذا وارد، إلا أن الحد الأدنى الذي يُجمع عليه مؤرخو الموسيقى، أن منيرة كانت هي الأكثر وجوداً وشهرة من أم كلثوم.
وفي دُنيا الغناء ودولة الطرب فإن دوام الحال من المحال، حيث جاء بزوغ نجومية أم كلثوم، في مرحلة الثلاثينات يشير إلى أن مشاعر الناس توجهت إلى منطقة مغايرة، أيقنت أم كلثوم، أن من يمنح الفنان القدرة على الاستمرار هو التجدد، وهكذا حرصت على أن تقتحم كل الأفكار، ومنحت السينما باعتبارها رافداً جديداً الكثير من طاقتها، بل وقبل رحيلها بأشهر قليلة قررت مواكبة للعصر، وسعت لتقديم أغنيات قصيرة، لأنها أيقنت أن الزمن يفضل الإيقاع الأسرع.
منيرة كانت تكبر أم كلثوم بنحو 20 عاماً، اعتزلت بعد أن تلاشى الوميض وخفت الوهج، ولم تعد حفلاتها تحقق مردوداً، إلا أنها في نهاية الأربعينات قررت العودة معتقدة أن الجمهور لا يزال على العهد، وحشدت الكثير من أشهر الأقلام الصحافية لتأكيد مكانتها، وأم كلثوم حرصت على أن تُلبي دعوتها وحضرت حفلتها، لتؤكد أنها طوت تماماً صفحة الخلاف القديمة بينهما، إلا أن مشاعر الناس كانت في منطقة أخرى، فهي وبلغة زماننا صارت خارج نطاق الخدمة.
هذه الأيام أقرأ أن لدينا أكثر من نجمة ابتعدت وتفكر جدياً في العودة، وفي العادة تؤكد النجمة أن أكثر من شركة تلاحقها، وأنها لا تزال تفكر وتفكر وتفكر، لتنتقي الأفضل، لا أحد ينتظر من الفنان أن يعلن الحقيقة كاملة، هناك دائماً هامش من أوراق السوليفان الملونة لمنح الأكاذيب وهجاً وبريقاً.
وما ينطبق على النجوم أيضاً يتكرر مع عدد من كبار الملحنين، نقرأ بين الحين والآخر أنهم يستعدون لتقديم أغاني وسوف يدفعون بها للوسط الفني لتغيير مسار الغناء نحو الأفضل.
مشكلة العائد بعد غياب أنه غالباً لا يدرك كم تغيرت مشاعر الناس، مثلاً يعتقد كُثر أن ليلى مراد كانت هي صاحبة قرار الابتعاد وذلك في منتصف الخمسينات وكان عمرها وقتها لا يتجاوز 37 عاماً، رغم أن الثابت تاريخياً أنها عقدت جلسات عمل في الستينات في بداية إشراف الدولة على الإنتاج السينمائي، بعد أن اكتشفت أن أغلب الأوراق لم تعد في حوزتها، إلا أن كل المشروعات السينمائية التي عرضت عليها لم تتوافق معها، فلم تكن تليق أبداً بتاريخها.
العودة بعد غياب تبدأ بالقراءة الصحيحة للواقع، هل أدركت النجمة العائدة أنها لن تلعب البطولة بمفردها، وأن مساحات موازية للجيل الجديد ستفرض نفسها على «الأفيش» و«التترات»، وأن اسمها الذي كان في الماضي يكفي لجذب الجمهور لم يعد كافياً، وتلك هي ضريبة الزمن؟ لو كانت الإجابة هي نعم، في هذه الحالة فقط ممكن البحث عن فرص العودة، لو جاءت الإجابة أنها ستواصل البطولة بمفردها، لكي تؤكد وعلى طريقة محمد رمضان أنها لا تزال «نمبر وان»، فإن حلم العودة سيظل حلماً!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة