مصر تفتتح مقبرة «مِحو» الفرعونية بعد 78 سنة على اكتشافها

صاحبها كان وزيراً ورئيساً للقضاء... ولا تزال تحتفظ بألوانها
الأحد - 29 ذو الحجة 1439 هـ - 09 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14530]
القاهرة: فتحية الدخاخني

للمرة الأولى منذ اكتشافها عام 1940، تبدأ مقبرة «مِحو» استقبال زوارها، في أعقاب انتهاء أعمال الترميم والتطوير التي نفذتها وزارة الآثار المصرية للمقبرة الواقعة في منطقة سقارة الأثرية بمحافظة الجيزة.
افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار، أمس، مقبرة «مِحو»، وقال في مؤتمر صحافي حضره سفراء وممثلو 10 دول أجنبية، إن «سقارة أحد أهم مواقع التراث العالمي، وبافتتاح مقبرة (مِحو) نعلن بداية الموسم الأثري الذي سيشهد مجموعة كبيرة من الافتتاحات»، مضيفاً أنّ «الوزارة ستعلن قبل نهاية العام الجاري عن ثلاثة اكتشافات أثرية جديدة في ثلاث محافظات».
وكانت المقبرة مغلقة منذ أن اكتشفتها البعثة الأثرية المصرية العاملة بالموقع على يد الأثري المصري زكي سعد، قبل 78 سنة، والذي اكتشف العديد من المقابر الأخرى مثل مقابر نبت وخنوت زوجتي الملك ونیس.
وحصل «مِحو» الذي عاش في عهد الملك بيبي الأول على 48 لقباً نُقشت على حجرة دفنه والتابوت الخاص به ومن أهمها رئيس القضاة والوزير، والمشرف على كتابة وثائق الملك، ومشرف على مصر العلیا، وحاكم الإقلیم. وهذه المقبرة عائلية تضم ابن وحفيد مِحو، وتضم ثلاثة أبواب وهمية.
وقال الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، خلال المؤتمر الصّحافي، إنّه «كان يعمل في المنطقة عام 1993، وخلال عمله سقطت قطعة من الطّوب اللبن كشفت عن نص مكتوب على باب المقبرة»، مشيراً إلى أنّ «النّص يتضمّن ألقاباً مهمة لمِحو، الذي كان وزيراً ومشرفاً على القصر الملكي ورئيساً للقضاة، ومن بين ألقابه لقب كان مخصصاً للآلهة»، معتبراً افتتاح المقبرة «أكبر دعاية للآثار والسياحة والمصرية».
وأوضح الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أنّ «مقبرة «مِحو» تعد من أجمل وأكمل مقابر الدولة القديمة في سقارة والتي لا تزال تحتفظ ببهاء ألوان مناظرها الرائعة، وكثرة التفاصيل في المناظر التي أُضيفت في عصر الأسرة السادسة ولم تظهر في مقابر الأسرة الخامسة بسقارة ومنها منظر تزاوج التماسيح ومنظر السلحفاة».
ومن أهم المناظر التي صُورت على جدران المقبرة منظر لصاحب المقبرة يصید الطیور بعصا الرمایة والأسماك بالحربة في الأحراش، وهو من المناظر التي تدل على نفوذ صاحب المقبرة، الذي حرص على نقشه في الحجرات الأولى والأقرب لرؤیة الزوار، بالإضافة إلى منظر الزراعة، ومنظر صید الأسماك بالشبكة الكبيرة، ومنظر الطهي وصناعة البیرة، والموسيقى والرقص الأكروباتي، والذي لم يظهر في سقارة إلّا في الأسرة السادسة فقط.
وقال عادل عكاشة، رئيس الإدارة المركزية للقاهرة والجيزة بوزارة الآثار، إنّ «مشروع ترميم وتطوير المقبرة شمل ترميم وتنظيف النّقوش الملونة على جدران المقبرة بالطرق الميكانيكية والكيماوية، وتثبيت الألوان الضعيفة، بالإضافة إلى تطوير منظومة الإضاءة للمقبرة وتغطية بئر الدفن».
من جهته قال صبري فرج، مدير عام منطقة سقارة، إنّ المقبرة تقع جنوب السور الجنوبي لمجموعة هرم زوسر المدرج بنحو ستة أمتار، وتضم حجرات دفن لابنه «مري رع عنخ»، وحفيده «حتب كا الثاني».
وعلى هامش الافتتاح تفقّد وزير الآثار الأعمال داخل المقبرة الجنوبية للملك زوسر، وأعمال الترميم الجارية بمقبرة «تي» سقارة، التي من المقرر افتتاحها قريباً، ووعد بانتهاء أعمال ترميم هرم زوسر المدرج التي امتدت لأكثر من 10 سنوات، مع بداية العام المقبل.
وأوضح وزيري أن «تي» والمشرف على أهرامات ملوك الأسرة الخامسة من الدولة القديمة، وعلى الرغم من عدم تقلّده منصب الوزير، فإنه شيد مقبرة كبيرة الحجم.
وهذه المقبرة اكتُشفت على يد عالم الآثار مارييت عام 1865، وتعد من أجمل مقابر سقارة، وتشتهر بنقوشها الملونة ومناظرها التي صوّرت صناعة الخبز والجعة.
ومنذ اكتشاف مقبرة «تي» لم تجرِ بها أي أعمال ترميم، حتى بدأت البعثة المصرية - التشيكية بالتعاون مع مرمّمي منطقة آثار سقارة بأعمال ترميم وتنظيف جدران المقبرة من الأتربة وتثبيت الألوان، وسيبدأ فريق العمل بتركيب إضاءة حديثة للمقبرة وألواح زجاجية على جدرانها لحمايتها.
الدكتور محمد مجاهد، نائب مدير البعثة التشيكية الأثرية، المسؤولة عن ترميم مقبرة «تي» بالتعاون مع المرممين المصريين، قال لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «تي من أوائل الناس الذين بنوا مقابر كبيرة الحجم، مما يشكل دليلاً على قوة علاقاته»، مشيراً إلى أنّه «كان الكاهن المسؤول عن المجموعة الهرمية في الأسرة الخامسة، وكان يلقب بكاهن الشمس».
ويضيف مجاهد أنّ المقبرة «كانت مهدمة بالكامل وأعاد مارييت بناءها، لكن لم تُنظّف الجدران وتُثبّت الألوان وهو ما نقوم به اليوم».
وأثارت المقبرة جدلاً مؤخراً بعدما جرى نشر صور لها تبين وجود مراوح داخلها، وهو ما أثار الهجوم على وزارة الآثار التي أوضحت أنّ المراوح كانت موجودة في أثناء عمل المرممين خصوصاً أن الجو داخل المقبرة في فصول الصيف شديد الحرارة، وكانت الجولة داخل المقبرة بهدف أن يطّلع الإعلام على الوضع داخل المقبرة التي ما زالت أعمال الترميم مستمرة بها. وأشار مجاهد إلى أنّه «سيجري تركيب إضاءة وألواح زجاجية لحماية رسومات المقبرة، كما نخطّط لجعلها مناسبة لزيارة ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال تزويدها بممر حجري ورامب يسهل حركتهم».
وشملت الجولة المقبرة الجنوبية التي يجري ترميمها حالياً، قبل فتحها للزيارة، وتقع المقبرة على بعد 28 متراً تحت سطح الأرض، وتضم مجموعة من الفينسات الزرقاء المثبتة على حوائطها.
وقال وزيري إنّ «المقبرة الجنوبية تعدّ أحد العناصر المهمة للمجموعة الجنائزية للملك زوسر، واكتشفها عالم الآثار (فيرث) عام 1928، وهو من أطلق عليها هذا الاسم نظراً إلى وقوعها في الجهة الجنوبية الغربية من المجموعة الجنائزية».
وهناك اختلاف بين العلماء بشأن المقبرة، فالبعض يعتبرها قبراً رمزياً للملك زوسر، وآخرون يقولون إنّها كانت مكاناً لوضع الأواني الكانوبية التي تحتوي على أحشاء الملك.

إقرأ أيضاً ...