حقاً... مائة عام من العزلة

الأحد - 29 ذو الحجة 1439 هـ - 09 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14530]

من خلف أعتى رقابة في التاريخ، خرج إلى الألق الأدبي، القرن الماضي، الروسيان ألكسندر سولجنتسين وبوريس باسترناك لينالا نوبل الآداب. وكان أثر سولجنتسين في الحياة السوفياتية أقسى من أن يطاق، فقررت موسكو نفيه. وهكذا حمل نفسه وعائلته إلى مدينة زيوريخ السويسرية، حيث اكتشف سريعاً أن ثمة ما هو أسوأ للكاتب من الرقابة: الشهرة.
لذلك؛ قرر سريعاً الهجرة من جديد إلى أضيق عزلة ممكنة. لا أعرف كيف عثر على قرية كافنديش في ولاية فيرمونت، 1600 نسمة، في أكثر الولايات عزلة. وفيها أمضى مع عائلته العقدين الأكثر إنتاجاً في حياته، بعيداً عن الصحافيين والسياح الفضوليين. وساعده فتيان القرية على حماية وحدته، فكانوا إذا سُئِلوا عن عنوان منزله، أعطوا اتجاهات خاطئة.
تحتفل ولاية فيرمونت بمائة عام على ولادة سولجنتسين وكأنها مسقط رأسه. هنا ذهب أطفاله إلى المدرسة. وهنا كانت أمهم تسمح لهم باللقاء مع والدهم نصف ساعة في اليوم: ابتعدوا، فإن والدكم يعمل من أجل روسيا.
على نحو ما، كان سولجنتسين واحداً من الذين ساهموا في تفكيك الاتحاد السوفياتي. ذهابه إلى المنفى، مثل ذهاب سفيتلانا، ابنة ستالين، كان شهادة على الظلم الستاليني وغياب الحريات. والآن يبدو وكأن الأدباء الروس هم الذين دمّروا النظام القيصري والسوفياتي على السواء. فقد قرر سولجنتسين أن يصبح كاتباً يوم قرأ «الحرب والسلم» لتولستوي، الذي مع دوستويفسكي وماكسيم غوركي وتشيكوف، قرعت كتاباتهم طبول الحرية ورفع الظلم. وكما حدث مع تشيكوف من قبل، لم تنتبه الرقابة إلى أعمال سولجنتسين إلا متأخرة.
لكن عندما عاد سولجنتسين من منفاه الأميركي عام 1994، وجد روسيا لا يعرفها ولا تعرفه. فكل ما ناضل من أجله أصبح جزءاً من الحياة اليومية. والجيل الجديد لا يعرف اسمه ولا أعماله. ومثل ابنة ستالين، عاد هو مصدوماً بالغرب. وبعدما كرس الجزء الأول من حياته لمحاربة الشيوعية وجد نفسه يكرس الجزء الأخير لمحاربة الثقافة الغربية.