التباسات الخطاب الرافض للهويات

التباسات الخطاب الرافض للهويات

الأحد - 29 ذو الحجة 1439 هـ - 09 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14530]
د. آمال موسى
كاتبة وشاعرة تونسية
لا تكمن قوة أي خطاب في مضمونه ورسالته الفكرة الرئيسة، ولا تتحدد وجاهته أيضاً بمنتجه فقط. بل إنّ الخطاب في جزء أساسي منه يضبط واقعيته للتأثير والتواصلية الإيجابية معه بناء على السياق الذي أُنتج فيه.
بمعنى آخر، فإنه يمكن القول إن غالبية الأطروحات هي مقبولة على الأقل نظرياً، ولكن كل أطروحة، تعي إمكانية تأثيرها عندما تعيش تجربة امتحان السياق بمختلف أبعاده.
لنضرب مثالاً نوضح به فكرتنا هذه: منذ سنوات ظهر خطاب يدعو إلى تجاوز مسألة الهوية وتعويضها بالإنسانوية، التي هي تمازج هويات، أو ما يسميه الراحل إدوارد سعيد هجنة الهويات.
إن هذا الخطاب علاوة على تعاليه على البناء الرمزي للهوية عند الفاعل الاجتماعي، فهو خطاب يمارس نوعاً من القفز العشوائي على ما يعرفه الواقع الإنساني الدولي اليوم من توترات تعرقل بشكل كبير الحد الأدنى من المشروعية الفكرية الثقافية لخطاب تجاوز الهويات.
ولكن قبل ذلك قد يكون من المهم الإشارة إلى أن هذا الخطاب ينطلق من موقف رافض لما يسمى الهوية، وهو رفض ناتج عن أصحاب هذا الخطاب أنفسهم الذين يركزون على الآخر دون الذات، أي أنهم يرون في تركيب الهوية ما يعطل التواصل مع الهويات الأخرى، ولم يعيروا أدنى اهتمام لحاجة الذات الثقافية إلى الهوية في عملية البناء الرمزي وتحديد محدداتها السوسيو - ثقافيّة. باختصار شديد: أصحاب هذا الفكر ينكرون أي خصلة للهوية، وهي في منظروهم مصدر توتر إنساني وعائق في مسار الإنسانوية.
ومن ثمة فهو خطاب لا يقوم على التنسيل بقدر ما يتبنى الإنكار.
كما نعلم تتركب الهوية من مقومات اللغة والدين والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك، ويختلف ترتيب هذه المقومات من مجتمع إلى آخر ومن فضاء ثقافي إلى آخر. لذلك فنحن نعتقد أن أصحاب هذا الخطاب نزعوا نحو هدم التركيب الهوياتي بدل تعديله، أو لنقل إثراءه، من خلال الدفاع عن مقوم آخر يتمثل في الإنسانوي، أي البعد الإنساني الذي يجب أن يمثل طموح الهويات والقاعدة التي تشمل الهويات جميعاً. ذلك أن تطعيم الخصوصي بالأنسني الرحب فعل يتمتع بمصداقية عالية من ناحية قوة الإنساني كنقطة التقاء، وأيضاً بالنظر إلى ما فعلته العولمة في العالم اليوم فساعدت على القبول بفكرة التمازج الثقافي.
كما نعتقد أن الانخراط بقوة في مسار تهجين الهويات كي تتحول إلى هوية واحدة، ينطوي على إهدار لمكامن الثراء الإنساني وفيه مقاومة عنيفة لفكرة التعددية الثقافية والرساميل الرمزية. فالدفاع عن أنسنة الهوية وتضييق دائرة الفواصل الثقافية بين المجتمعات لا تستدعي هدم مقومات الهوية كي تنحصر الهوية في مقوم واحد وحيد هو المقوم الإنسانوي. طبعاً هوس هذا الخطاب له ما يبرره فهو ينطلق من مسلمات أقرها التاريخ الإنساني، والمتمثل في أن النزاعات والحروب والعنف، إنما تعود إلى مقومات الهوية ذاتها بما تنتجه من نزوع نحو التعصب والانغلاق والخوف من الذوبان والاضمحلال ثقافياً ورمزياً. ولكن هل يقاوم التعصب الديني واللغوي والثقافي بالقضاء على هذه المقومات؟
من جهة ثانية، نلاحظ أن السياق الذي يروج فيه للهوية الإنسانوية، هو سياق مشحون بما يطيح بمضمون خطاب تجاوز سلطة الهوية وتأثيرها. بل إن ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، وفي بؤر كثيرة في العالم يفقد مصداقية هذا الخطاب، ويواجهها بما هو أكثر من التشكيك أي التكذيب. فالصراعات الراهنة عرقية وإثنية بالأساس الشيء الذي يؤسس للهويات المنغلقة أكثر مما يسميه أمين معلوف الهويات المتماهية، أو هجنة الهويات حسب توصيف إدوار سعيد.
هناك خوف كبير اليوم إلى حد الفوبيا على الهويات: خوف أدى إلى الانغلاق والتعصب، باعتبار أن الصراع يهدف إلى هيمنة هوية على أخرى، ولغة على لغة أخرى، ودين على دين آخر. أي أننا أمام صراع هوياتي وليس صراعاً من أجل الإنسانوية.
هل يعني هذا ترك الحال على عواهنه؟
طبعا لا. فالجهد يجب أن يبذل في اتجاه الاعتراف المتبادل الهوياتي والقطع مع التفاضلية الهوياتية، التي تدار تحت عنوان التمازج الهوياتي. ذلك أن التمازج المقصود يخفي خطة للانصهار والقبول بالهيمنة والاستلاب.
يبدو لي أن المشكل ليس في الهوية وطبيعة مقوماتها، وشكل ترتيب هذه المقومات بقدر ما يتمثل في الحقوق الثقافية وحمايتها بشكل يقضي على الخوف. فاليوم فكرة الأقلية لا تقتصر على العدد، بل إنها تشمل حجمك في العالم ودورك فيه.
إن إسقاط ما في الآيديولوجيا من كوابح وموانع وقضبان على مسألة الهوية تعسف لن يفيد الفكر البشري. فالنضال الحقيقي هو كيف يأخذ كل كائن ثقافي حقه في الوجود الطبيعي غير المهدد... فقط.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة