حملة «اركلها خارجاً» لمناهضة العنصرية... تقدُّم ملحوظ وطريق طويل

في الذكرى الـ25 لإطلاقها ما زال الكفاح قائماً لدعم اللاعبين والمدربين السود
الجمعة - 27 ذو الحجة 1439 هـ - 07 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14528]
لندن: ديفيد كون

لا بد أن بعض العاملين بالحقل الكروي وجدوا صعوبة في تصديق أن حملة مناهضة العنصرية في مجال كرة القدم المعروفة باسم «اركلها خارجاً» (كيك إت أوت) أتمت عامها الـ25 هذا الموسم، لتمثل بذلك جيلاً من النضال والتقدم الملموس.
وفي إطار استعراضه للتغييرات العميقة التي طرأت على التوجهات السائدة في المجال الكروي على مدار ربع القرن الماضي، أشار لورد أوسيلي الذي ترأس حملة «اركلها خارجاً» طوال هذه الفترة إلى سيل الإشادات الذي انهال على سيريل ريغيس، لاعب «وست بروميتش ألبيون» السابق، عندما توفي في يناير (كانون الثاني) عن عمر يناهز الـ59.
كان نجم ريغيس، واثنين من أقرانه في «وست بروميتش ألبيون» وهما لوري كننغهام وبريندون بيتسون، وحفنة من اللاعبين الآخرين أصحاب البشرة السمراء، قد بدأ في الصعود في سبعينات القرن الماضي في وقت كانت الإهانات العنصرية تنهمر كالسيل على نحو روتيني من مدرجات الجماهير بينما لم تعبأ السلطات المعنية بالرياضة بالأمر ولم تلق له بالاً. وعندما توفي ريغيس، انهمرت رسائل التعزية من مختلف المؤسسات المعنية بتنظيم المجال الرياضي وكذلك الجماهير العاشقة للساحرة المستديرة التابعة لأندية كان اللاعبون أصحاب البشرة الداكنة يتعرضون فيها لإهانات مستمرة ثم تبدّل الأمر اليوم إلى النقيض.
وعن هذا، قال أوسيلي: «حتى من 10 أو 15 عاماً ماضية فقط، لا أعتقد أننا كنا سنعاين هذا الدفء والمديح الذي حظي به سيريل ريغيس هذا العام. ويكشف هذا الأمر حجم التغييرات التي طرأت على مجال كرة القدم». جدير بالذكر أن أوسيلي عمل من قبل رئيساً تنفيذياً لمنطقة لامبيث في لندن، قبل أن يتولى عام 1993 رئاسة لجنة المساواة العنصرية ويصبح كذلك رئيساً لحملة «دعونا نركل العنصرية خارج ملاعب الكرة».
وقال أوسيلي: «لقد اضطلع اللاعبون أنفسهم بدور هائل في هذا الأمر، عبر قدراتهم وصمودهم الداخلي الذي مكّنهم من التكيف والنجاح. لا أود أن يُنسب الفضل إلى حملة (اركلها خارجاً)، فمهمتنا الأساسية معاونة كرة القدم على التقدم نحو أوضاع أفضل».
وأشار أوسيلي إلى أن ريغيس يجسد مسار حملة «اركلها خارجاً». كانت الحملة قد بدأت بعد اعتزال ريغيس لعب الكرة، مع انحسار أسوأ سنوات الإساءات العنصرية العلنية في تاريخ الكرة. ولعبت الحملة دوراً كبيراً في تشجيع الثقافة التي تحتفي اليوم بريغيس.
جدير بالذكر أنه عام 1991 صدر قانون الجرائم الكروية الذي جعل من «الهتافات غير اللائقة أو العنصرية» جريمة، في خطوة تاريخية على طريق الاعتراف بالعار الذي كان سائداً مجال الكرة آنذاك واتخاذ خطوات جادة لتجريمه. وبالفعل، جرى تعيين كيث ألكسندر، في «لينكولن سيتي»، كأول مدرب أسود في تاريخ الكرة الإنجليزية عام 1993، العام نفسه الذي أصبح خلاله بول آنس أول لاعب أسود يرتدي شارة قائد المنتخب الإنجليزي.

ومع هذا، استمرت البذاءات العنصرية في مجال الكرة خلال التسعينات وكذلك مناخ الخوف داخل مجتمعات الأقليات العرقية داخل الأحياء التي تضم الكثير من الملاعب، حسبما ذكر بيارا بوار الذي جرى تعيينه منسقاً عاماً لحملة «اركلها خارجاً» عام 1998. ويذكر بوار وأوسيلي أنه رغم أن الحملة جرى تمويلها من قبل اتحاد كرة القدم والدوري الممتاز، إضافة إلى رابطة اللاعبين المحترفين بدءاً من عام 1997 لم يبد كثير من اللاعبين البارزين بمجال الكرة اهتماماً يذكر بها.
من جانبهما، بعث بوار وبين تيغ، العاملان الوحيدان بالحملة آنذاك، خطابات إلى جميع الأندية المحترفة الـ92 للتعريف بالحملة وأهدافها. إلا أن خمسة منها فقط بعثت برد على الخطابات. وشرح بوار السبب على النحو التالي: «كانت هناك حالة من النفور وجرى النظر إلى هذه القضايا باعتبارها غير ذات أهمية».
وأضاف: «لو كنت جزءاً من أقلية ما في الثمانينات، فإن ذلك يعني أنك كنت تتوقع التعرض لإساءات مستمرة في حياتك اليومية. وعلى صعيد كرة القدم، فإن بعض أنماط السلوك التي يتعذر اليوم تصديق حدوثها كانت تحدث بسهولة وحرية آنذاك. لقد تجاوزنا الفترة الأسوأ اليوم، لكن في التسعينات كانت هذه الإساءات لا تزال قائمة».
واستطرد موضحاً أنه: «بخلاف بريندون بيتسون (كان يتولى آنذاك منصب نائب الرئيس التنفيذي لرابطة اللاعبين المحترفين)، لم يكن هناك أي مسؤولين إداريين من أصحاب البشرة الداكنة. ولم تكن هناك نساء واضحات في أي مكان.
وأتذكر أنها بدت خطوة هائلة عندما أقدم اتحاد الكرة على تعيين كيلي سيمونز». يذكر أن سيمونز عُينت عام 2000 رئيسة لشؤون تطوير الكرة، وتتولى حالياً منصب مديرة شؤون الكرة النسائية.
ولا يزال أوسيلي يذكر جهود الضغط على الأندية و«التنديد» بها من أجل إجبارها على المشاركة في الحملة، الأمر الذي كان يتحقق بعض الأحيان من خلال إخبار رؤساء أندية بأن أقرب منافسيهم سبقوهم إلى الانضمام إلى الحملة. وبدأ عمل الحملة بوضع خطة مؤلفة من ثماني نقاط، مع نشر ملصقات داخل الملاعب والتركيز على القضاء على العنصرية داخل مجال الكرة. عام 1997، اتسع نطاق الحملة ليشمل تناول جميع صور التمييز.
جدير بالذكر أن الكثير من المشجعين كانوا يبذلون بالفعل جهوداً كبيرة للتصدي للعنصرية داخل المدرجات. من ناحيته، يعزو بوار الفضل لمظاهر تطور وتحسن أوسع طرأت على المشهد الثقافي على مدار السنوات. ومن جهتها، تعاونت الأندية بدرجة أكبر مع الحملة. واليوم، أصبح باستطاعة أوسيلي الترويج لأهداف أكثر تفاؤلاً: تعزيز التنوع في صفوف المدربين والمسؤولين الإداريين والمشجعين، والاستفادة من كرة القدم كأداة للتناغم الاجتماعي، بدءاً من المستوى الشعبي لأعلى.
المعتقد أن الفترة الأكثر حرجاً في مسيرة حملة «اركلها خارجاً» جاءت عام 2012، بعد صدور عقوبات من جانب لجان تأديب تتبع اتحاد الكرة بحق كلٍّ من لويس سواريز وجون تيري بسبب تورطهما في توجيه إساءات عنصرية، الأمر الذي حظي باهتمام واسع. وقد برأ تحقيق جنائي ساحة الأخير من تهمة توجيه إساءة لفظية إلى أنطون فيرديناند. من ناحية أخرى، رفض عدد من اللاعبين أصحاب البشرة السمراء المشاركة في يوم العمل السنوي الخاص بحملة «اركلها خارجاً»، ومن بينهم نجل شقيق ريغيس، جيسون روبرتس الذي كان يشارك في صفوف «ريدينغ» آنذاك، لاعتراضهم على عدم إحراز الحملة تقدماً ملموساً، خصوصاً على صعيد قلة عدد المدربين من أبناء البشرة الداكنة.
من ناحيته، اعترف أوسيلي بأن بعض من تعاونوا مع «اركلها خارجاً» شعروا بمرارة لاعتقادهم بأن بعض اللاعبين استهدفوا المؤسسة التي ظلت تعمل لسنوات لتخلق اختلافاً إيجابياً في الساحة الكروية، لكنه أضاف أنه احترم روبرتس عندما طرح وجهة نظره. وقال: «لقد شعر أننا لم نحقق ما يكفي وأننا اكتفينا بالحديث فحسب. وأنا من جانبي أقبل بذلك، فأنا لا أتهرب من النقد، وإنما يتعين علينا التفاعل مع الآخرين بخصوص هذه المسائل لنرى ما يمكن أن نتعلمه. عندما يتناول اللاعبون قضيةً ما يصبح الأمر إيجابياً، ذلك أن روبرتس، مثلاً، يتميز بتأثير أكبر عنا، ولطالما أكدتُ للاعبين أنهم يقللون من حقيقة قوتهم».
من ناحية أخرى، أبدى أوسيلي ترحيبه بخطة السنوات الثلاث التي أعلنها اتحاد الكرة حديثاً لجعل الساحة الكروية أكثر تنوعاً. وأقرت الخطة هدفاً محدداً تمثل في أن يصبح 20% من المدربين من أصحاب البشرة الداكنة أو مجموعات عرقية أخرى و11% من أصحاب المناصب القيادية، وذلك بحلول عام 2021.
وأعرب أوسيلي عن اعتقاده أنه: «أصبح لدينا الكثير من الأكاذيب»، وذلك مع تنامي جرائم الكراهية ومعاداة الأجانب من جديد في أعقاب صعود الخطاب المناهض للهجرة الذي شكّل دافعاً رئيساً وراء حملة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في إطار استفتاء «بريكست». وأكد أوسيلي أنه يسعى لجعل كرة القدم أحد المجالات الاجتماعية التي تجمع الناس بعضهم ببعض. وقال: «إننا نتعامل مع رياضة تساعد في تحقيق التناغم بين مجموعات مختلفة منها أصحاب البشرة الغامقة والبيضاء ومزج بعضهم ببعض كي يجري بينهم التعارف والتقارب. وباستطاعة كرة القدم قيادة الجهود على هذا الصعيد».
واليوم وبعد مرور 25 عاماً على انطلاقها والتغيير الكبير الذي حققته في مجال الكرة الإنجليزية، لا يزال هناك الكثير الذي يتعين على حملة «اركلها خارجاً» تحقيقه.

إقرأ أيضاً ...