ماكرون يستبدل وزيرين مستقيلين من حكومته... ويسعى لاستعادة المبادرة داخلياً

تراجع شعبيته إلى مستويات غير مسبوقة
الأربعاء - 25 ذو الحجة 1439 هـ - 05 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14526]
باريس: ميشال أبو نجم

دأب الرئيس الأسبق جاك شيراك على القول إن «المصائب لا تصل فرادى». وهذا القول اختبر صحته سياسيا في الأسابيع الأخيرة الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، الذي وجد نفسه في مواجهة سيل من الأخبار المحبطة: استقالة نيكولا أولو وزير البيئة، وأكثر وزراء حكومته شعبية الأسبوع الماضي. ولحقته صباح أمس وزيرة الرياضة لورا فليسيل، التي تضاهي أولو شهرة. الثانية بررت استقالتها بـ«أسباب شخصية»، بينما الأول بشعوره أنه «معزول» وعاجز عن تحقيق مشروعاته في حماية البيئة.
وقبل بدء العطلة الصيفية القصيرة مباشرة، أفسدت أيام ماكرون بسبب «فضيحة» حارسه الشخصي المقرب منه ومن عائلته ألكسندر بنعالا، الذي لم يتردد في اللجوء إلى العنف بمناسبة مظاهرة حصلت يوم عيد العمل، فيما لم تكن له أي صلاحية للقيام بذلك. ويذكر الجميع كيف انصبت الانتقادات على ماكرون و«نظامه»، وعلى مساعي المحيطين به للتغطية على فضيحة بنعالا وعدم إبلاغ القضاء عنها كما تنص عليه القوانين النافذة. ثم عادت إلى الواجهة قضية «كامنة» تتناول ألكسيس كوهلر، أمين عام قصر الإليزيه وأقرب مساعدي الرئيس لشبهات باستخدام النفوذ عندما كان موظفا في وزارة الاقتصاد لإفادة عائلة والدته الإيطالية من عقود مع شركة صناعة سفن فرنسية، ومع إدارة مرفأ مدينة لو هافر الواقعة في منطقة النورماندي شمال غربي باريس.
لاستكمال صورة الصعوبات الرئاسية التي تواجه ماكرون، تتعين الإشارة إلى أمرين: الأول، استمرار الجدل بخصوص الشكوك المساقة ضد وزيرة الثقافة فرنسواز نيسان بمخالفتها القوانين المعمارية وتهربها من دفع المتوجب عليها لإنشاءات قامت بها في مقر دار النشر «أكت سود»، التي كانت تديرها وفتح تحقيق تمهيدي بذلك. والثاني تسمية فيليب بيسون، وهو كاتب وصحافي مقرب من ماكرون وزوجته قنصلا فرنسيا عاما في مدينة لوس أنجليس الأميركية، ما اعتبر «مكافأة» له على الكتاب الذي كرسه لماكرون وحملته الرئاسية ربيع العام الماضي تحت عنوان «شخصية روائية»، في الوقت الذي لا يجد فيه سفراء ودبلوماسيون مراكز شاغرة لملئها بسبب كثرة الطلب وقلة الفرص.
هذا العرض البانورامي يقدم صورة مجزوءة عن حقيقة المصاعب التي سبقت ماكرون إلى حصن بريغانسون المطل على البحر الأبيض المتوسط. فقد أثارت رغبته إنشاء مسبح خاص بالحصن يحميه من عيون «الحشريين» كثيرا من التساؤلات، من جهة، حول سياسة التقشف التي يطلبها من الإدارات، ومن جهة ثانية، حول المصروفات غير الأساسية التي يريدها الإليزيه، ومنها مثلا تغيير كامل الأدوات المنزلية من «البورسلين» في القصر الرئاسي مع كلفة لا تقل عن نصف مليون يورو. ثم جاء التخبط الظاهر على أعلى المستويات فيما خص مصير الإصلاح الضريبي الذي كان من المفترض أن يبدأ العمل به مع انطلاقة عام 2019، حيث يتغير النظام المعمول به حتى الآن ويتحول إلى اقتطاع الضريبة مباشرة من الراتب كما هو معمول به في أكثرية البلدان الأوروبية.
وبين شكوك الرئيس في «جاهزية» الإدارة وتأكيدات الوزير المختص، احتار الفرنسيون من يصدقون. وأمس، عقد اجتماع خاص ضم ماكرون ورئيس الحكومة إدوار فيليب والوزير جيرار دارماران للبت به بشكل نهائي ووضع حد لحالة التذبذب التي لا تتطابق مع ما اعتاده الفرنسيون من ماكرون من قدرة على الحسم واستخدام صلاحياته بلا مكابح.
كان من الطبيعي في ظل هذه المعطيات أن تتهاوى شعبية ماكرون. وبالفعل ووفق استطلاع للرأي نشرت نتائجه أمس، فقد خسر الرئيس عشر نقاط ما بين شهر يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، حيث إن أقل من ثلث الفرنسيين يؤيدون عمله على رأس الدولة أو يؤمنون بنجاعة سياساته. والأسوأ من ذلك كله، أن تهاوي شعبيته يطال جميع ألوان الطيف السياسي بمن فيهم حزبه الخاص «الجمهورية إلى الأمام».
ومشكلة ماكرون الرئيسية لا تكمن فقط في الصعوبات الطارئة، ولكن في غياب النتائج الملموسة لسياساته الاقتصادية والاجتماعية. فلا البطالة تراجعت، ولا القدرة الشرائية استقوت، فيما الضرائب ترهق الطبقة الوسطى والوسطى العليا.
ومن جانب آخر، فإن أرباب العمل يطالبونه بالمزيد على ما قام به من إصلاحات وتعديلات سهلت التسريح وألغت ضريبة الثروة، ما جعل اليسار يسميه «رئيس الأغنياء» لما اعتبره من «هدايا» أعطيت لهؤلاء على حساب الآخرين.
لم يكن من مفر أمام ماكرون إلا التعجيل في إجراء التعديل الوزاري وملء المراكز الشاغرة. وكان أمامه أحد الخيارين: إما إجراء حركة تشكيلات واسعة أو الاكتفاء بتعيين وزيرين بدل المستقيلين. وقد اختار الحل الثاني. لكن صعوبته الكبرى كانت في إيجاد رجل أو امرأة، يحل محل نيكولا أولو الذي يعرفه الجمهور الفرنسي ويتمتع بسمعة «بيئية» ناصعة.
وحاول ماكرون إغواء السياسي والآيديولوجي الألماني - الفرنسي الشهير دانيال كوهين - بنديت، الذي تعود شهرته للدور الذي لعبه في أحداث «ربيع فرنسا» لعام 1968 الذي كان أحد أسباب رحيل الجنرال ديغول عن السلطة. لكن يبدو أن اللقاء الذي جمع ماكرون وكوهين - بنديت، المعروف بلقب «جوني الأحمر» نسبة لقناعاته الماركسية السابقة، لم يفض إلى تفاهم حول ما يمكن أن ترسو عليه صلاحيات الأخير في حال سلم وزارة البيئة. وأخيرا رسا الخيار على رئيس البرلمان فرنسوا دو روجي. أما وزيرة الرياضة المستقيلة لورا فليسيل، وهي رياضية معروفة، فقد استبدل بها رياضية أخرى هي بطلة العالم للسباحة لعام 1998 روكسانا ماراسينيانو.
هل ستكفي هذه التعيينات وحسم موضوع الضرائب لإعادة العربة الحكومية إلى السكة السليمة؟ الأمر غير محسوم وفق المحللين الفرنسيين الذين يرون أن الانزلاق من المنحدر أصعب من تسلقه، وأن استعادة ماكرون للمبادرة السياسية واستكمال السير بالإصلاحات التي وعد بها لن تؤتي أكلها نا دام المواطن الفرنسي لا يشعر بأنها تقدم له شيئا في حياته اليومية. وقطعا، ليس استبدال رئيس البرلمان السابق بنيكولا أولو ، أو استدعاء رياضية لتحل محل رياضية أخرى، هو ما سيعيد دفع شعبيته إلى الارتفاع.

إقرأ أيضاً ...