«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي: سينما الوسترن تتجه صوب الأوسكار

فيلمان على موعد مع موسم الجوائز
الأربعاء - 25 ذو الحجة 1439 هـ - 05 سبتمبر 2018 مـ Issue Number [14526]
فينيسيا: محمد رُضا

تقع هوليوود غرباً وإليها تُشدّ الرحال كل سنة من الشرق والشمال والجنوب. إنّها في غرب الولايات المتحدة الأميركية وتلجأ إليها، كذلك، أفلام الشرق والوسط الأميركيين وكل ما يهدف إلى شدّ لحاف السباق إليه إذا أمكن.
وفي أفلام الغرب القديمة كانت الحياة الجديدة، بعيداً عن مدن الأعمال والأموال، تعني عبور نهر الميسيسيبي صوب الغرب وغزو أراضيه الشّاسعة وأجوائه الدافئة وأبواب حرياته المفتوحة على سعتها في القرن التاسع عشر.
سينما الوسترن التحقت بالقوافل المتجهة صوب الغرب، وتحدثت عنها، وعن حياة بلداتها ومدنها والحروب الطاحنة بين البيض والمواطنين الأصليين، وبين البيض بعضهم ضد بعض. في أفلام كثيرة نجد البطل يداوم الرّحيل من الغرب وإليه. نادراً ما يقرّر أن يعود شرقاً، وذلك على عكس العديد من الشّخصيات النسائية التي تكتفي بما شهدت ورأت وعايشت وتقرر في نهايات الأفلام أن تعود من حيث ما أتت… فيلادلفيا، نيويورك أو شيكاغو.
- أربعة فقط
هذه السينما ذاتها عرفت طعم الأوسكار أكثر من مرّة، لكن ليس بعدد الأفلام الجيدة التي كانت تستحق مثل هذه الجائزة لبراعتها في سرد القصص والتاريخ والتعامل مع الوقائع والأساطير بمعالجات فنية رائعة. ولا حتى بشطحة قصيرة من عدد الأنواع الأخرى. ذلك أن أفلام الغرب الأميركي التي فازت بالأوسكار هي أربعة؛ ثلاثة منها تدور في القرون الغابرة وواحد منها وسترن حديث.
تلك الأفلام هي، حسب تواريخ فوزها بالأوسكار، «سيمارون» لوسلي راغلز (1931) و- بعد ستين سنة - «رقصات مع الذئاب» لكيفن كوستنر (1990) من ثمّ بعد عامين «غير مسامَح» لكلينت إيستوود (1992). وفي العام 2007 فاز الأخوان جووَل وإيثن كووَن بالأوسكار الرابع في هذا المجال عن فيلمهما الذي تقع أحداثه في الزمن الحاضر وهو «لا بلد للمسنين».
حتى مع إضافة الأفلام التي وصلت إلى مستوى الترشيحات، وتبلغ 19 فيلماً، فإن الرّقم بالمقارنة مع الأفلام الدرامية عموماً أو الأفلام التاريخية أو التشويقية، يبقى محدوداً. أبرز أفلام الغرب التي ترشحت ولم تفز بالأوسكار كانت «عربة سفر» (Stagecoach) لجون فورد (1934) و«حادثة أوكس - بو» (Ox‪ - ‬Bow Incident) لويليام أ. ولمان (1943) و«منتصف الظهيرة» (High Noon) لفرد زمرمان (1952) و«شاين» (Shane) لجورج ستيفنز (1953) وكلها، وهناك سواها، كانت أفلاماً جيدة.
في العام 2016 تسلّل فيلم وسترن حديث آخر هو «جحيم أو فيضان» (Hell or Hight Water) لديفيد ماكنزي إلى قائمة الأفلام المرشحة، وهو بذلك آخر الساعين إليها حتى الآن.
- فيلما فينيسيا
هذا العام يبتسم الأوسكار لفيلمين جديدين من الوسترن. لكن قبل كشف اللثام عنهما لا بد من القول إنّ سينما الوسترن التي كانت حتى منتصف الخمسينات أكثر أنواع السينما غزارة في الكم بين كل الأنواع الأخرى، لم تنضب تماماً على الرّغم من كل هذه السنوات التي توارى عنها الاهتمام السابق بها.
الصّحيح هو أنّ الكثير منها لم يعد يجد عروضاً رئيسية لا في الولايات المتحدة ولا في القارة الأميركية ولا حول العالم، لكنّ إنتاج هذه الأفلام ما زال غزيراً.
في العام الماضي أُنتج 102 فيلم وسترن غالبيتها جاد في انتمائه للنّوع وغير مخلوط بالكوميديا أو بأي نوع آخر. هذا العام، وحتى الآن، هناك 32 فيلماً، كلها جادة في طلب ذلك النوع. حتى وإن لم نحسب ما قد يجري الإعلان عن إنجازه في الأشهر الأربعة المقبلة، فإنّ هذا الرقم ما يزال مرتفعاً بالنسبة لنوع لا يقبل عليه الشباب (الذي يشكل النسبة الأعلى) ولا تعرض أعماله في الصّالات الرئيسية، بل تكتفي - في معظمها - بالتسلل إلى العروض المنزلية وإلى ما تبقى من نشاط في سوق أسطوانات الأفلام.
من بين هذه الأفلام الحديثة «جيسي جيمس ضد القطار الأسود» لكريستوفر فوربس و«غرب الجحيم» لمايكل ستيف (ومن كتابة وإنتاج عربي اسمه يوسف أبو طالب) و«مرت تلك الأيام» (Gone Are the Days) لمارك غولد و«رجال ميتون» لرويستون إينيس (ملحمة من ثلاث ساعات).
وسط غبار حوافر الجياد المنطلقة وبين أزيز رصاصات المعارك يتهادى فيلمان يتميزان بأنّهما من إنتاج أكبر شأناً يسعيان لتوزيع أوسع وشهرة أفضل، ولا بأس من دخول سباق الأوسكار للبرهنة عن استحقاقهما.
الفيلمان هما «أنشودة بستر سكرغز» (The Ballad of Buster Scruggs) للأخوين كووَن (ثالث وسترن لهما بعد «لا بلد للمسنين» و«ترو غريتس») و«ذَ سيسترز برذرز» (The Sisters’ Brothers) للفرنسي جاك أوديارد في أول جهد له بالإنجليزية.‬
كلاهما استقبل جيداً هنا في مهرجان فينيسيا حينما عرضا، في الأيام القليلة الماضية ضمن أعمال المسابقة.‬
فيلم الأخوين كووَن ينطلق منفرداً بمعالجة مختلفة: يحشد ست حكايات مختلفة الأطوال وبقصص متفرقة لا رابط بينها سوى أنّها تنتمي إلى فيلم واحد. الحكاية الأولى يتخذ منها الفيلم عنوانه. كاوبوي (تيم بلايك نلسون) بغيتار يعزف عليه ويغني في رحلته في ذلك الغرب العريض الممتد حوله. يصل إلى بلدة صغيرة ويقتل شخصاً تعرض إليه في مبارزة. شقيق القتيل يتحداه فيقتله بستر، لكن ما إن يفعل ذلك حتى يتصدى له كاوبوي - مغني آخر (رالف إنسون) ويرديه قتيلاً ويمضي. ‬
للبعض هذه الحكاية القصيرة أكثر من مجرد افتتاحيه: هي أفضل ما في الفيلم. المشكلة هنا هي أنّ الفيلم يبدو تسجيلاً مصوّراً لتلك الحكايات ترد لسبب غير منظور أو حتمي. هناك معايشة خيالية حيناً وواقعية حيناً آخر، لكنّها معتمة بسخرية كامنة يجيد الشقيقان التلاعب بها. حتى الحكاية الأولى، ليست سوى تمهيد لسلسلة الحكايات التي تتحدث عن الموت في الغرب الأميركي.‬
الفيلم التالي، «ذَي سيسترز برذرز» أفضل منه ببضعة أميال. ‬
إنّه عن شقيقين من عائلة اسمها «سيسترز» (ما يمنح عنوان الفيلم طرافته) هما تشارلي (واكين فينكس) وإيلي (جون س. رايلي) القاتلان المأجوران لخدمة رجل ذي مآرب (روتغر هاوَر) الذي يرسل بهما في مهمة لقتل شاب اسمه هرمان (ريز أحمد) بمساعدة قاتل مأجور آخر اسمه جون (جايك موريس).‬ «ذي سيسترز براذرز» فيلم طموح ومنفتح ويحمل طرافة وحميمية حيال التاريخ في مقابل فيلم الأخوين كووَن الذي يجيد سرد حكاياته لكنّها تبقى خاوية في القلب. كلاهما يستحق عودة مفصلة لاحقة وكلاهما سيتجهان من هنا إلى مهرجان تورونتو ومن هناك إلى شاشات المناسبات السنوية الكبيرة بلا ريب.‬

إقرأ أيضاً ...