اختيار التقدم

الأربعاء - 18 ذو الحجة 1439 هـ - 29 أغسطس 2018 مـ Issue Number [14519]

التقدم والتخلف صفات نسبية. نقول عن مجتمع ما إنه متقدم، نسبة لغيره في الزمن نفسه، أو مقارنة بوضعه هو في أزمان سابقة. إن أقرب مثال على التخلف هو سيارة بطيئة في طريق سريعة.
ثم إن أدوات التقدم وتطبيقاته تتغير بين زمن وآخر، نظراً لتطور حاجات البشر، وتغير الأسئلة التي يواجهونها في حياتهم. لكنَّ ثمة جذراً ثابتاً للتقدم لا يتغير أبداً، ألا وهو شق حجاب الغيب، ونقل مكونات الحياة والطبيعة من دائرة المجهول إلى دائرة المعلوم. علمك بالشيء يؤهلك - في الحد الأدنى - لإنشاء علاقة منطقية معه، وفي الحد الأعلى، لتسخيره أو استثماره.
ثمة شريحة واسعة من الشباب - وربما الكبار أيضاً - يهوون فئة الأفلام والقصص التي تسمى الخيال العلمي. وهم يعلمون بطبيعة الحال أن ما يرونه مجرد خيال. لكن كثيراً منهم يؤمن في قرارة نفسه، أن تلك الخيالات هي التي تحرض عقل الإنسان على المغامرة. وهي قد تتحول يوماً ما، إلى واقع يمشي على قدمين.
التخيل مثال على سعي العقل لتجاوز المشهود والمحسوس، والتأمل في عوالم ممكنة أو محتملة، ما زالت خارج سيطرة الإنسان. هذه العوالم قد تكون في الإنسان نفسه، أو قد تكون في البيئة المحيطة به، أو في الكون الواسع البعيد عنه غاية البعد.
هذه العوالم الممكنة أو المحتملة، هي ما يسميه القرآن غيباً. كما في سورة «البقرة»، السورة الثانية في القرآن الكريم، التي تبدأ بآيات تشير إلى هذا المعنى «ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب...». والغيب المقصود هنا هو الغيب النسبي أو المؤقت، وهو خلاف «مفاتح الغيب» التي لا يعلمها إلا هو سبحانه، كما في سورة «الأنعام».
يذكرني هذا بالمجادلة الذكية التي قدمها توماس كون في كتابه القيم «بنية الثورات العلمية»، حين قال إن الباحث يتوصل خلال تأمله في المشكلات والأسئلة، إلى العديد من الأجوبة المحتملة. لكنه - بدافع خفي - يتركها ويواصل بحثه، حتى يصل إلى ما يرجح أنه حل صحيح. يتساءل كون: طالما لم يكن هذا الباحث عالماً بالحل قبل ذلك، فما الذي حمله على رفض الاحتمالات الأولى؟
في رأيي أن ترجيح أحد الاحتمالات، تابع للمسلمات التي ينطلق منها الباحث. حين تنطلق من الاعتقاد بأن الغيب صندوق مغلق، فسوف تميل لجواب منقطع، مثل القول بأن الحل «في علم الله»، أو أنه عمل السحرة، أو عمل الجن. أي أن المشكلة وحلها - في المجمل - خارج دائرة الإمكان العقلي البشري.
أما حين تنطلق من الاعتقاد بأن الغيب حجاب، فسوف تفكر في المراحل المنطقية اللاحقة لكشف الحجاب، أي الإشكالات التي ترد على الحل المحتمل. تصور الإنسان للمرحلة الثالثة والرابعة، هو الذي يرجح أحد الاحتمالات ويستبعد الاحتمالات البديلة. تلك الإشكالات والمراحل تكشف الرابط المنطقي بين الحل والمشكلة.
زبدة القول: إن جذر التقدم يكمن في سعي البشر لشق حجاب الغيب، وتحويل ما وراءه إلى مشهود ومعلوم. على النسق نفسه، فإن المتخلف هو ذلك الإنسان الذي يقرر سلفاً عدم التفكير في الغيب الماثل أمامه، باعتباره فوق ما يستطيعه عقل البشر. المجتمع الأقرب للتقدم هو الذي ينظر للكون كنظام مؤسس على علاقات منطقية.
والمجتمع الأقرب للتخلف هو الذي اعتاد إحالة الأسئلة والمشكلات إلى الجن والسحر وعجز العقل.