في المدن الأميركية الثرية تنخفض الإيجارات للأثرياء وترتفع للفقراء

تباطؤ وتيرة إيجار المساكن
الأربعاء - 18 ذو الحجة 1439 هـ - 29 أغسطس 2018 مـ Issue Number [14519]
واشنطن: جيف ستاين

وجدت المدن الأميركية التي تكافح في مواجهة ارتفاع تكاليف السكن بعض النجاح في تخفيض الإيجارات خلال العام الحالي، ولكن هذه التسهيلات لم تبلغ بعد المستأجرين الذين هم أكثر تعرضا لمخاطر فقدان مساكنهم بالكامل.
وعلى الصعيد الوطني، تتباطأ وتيرة المساكن المستأجرة كثيرا، مع هبوط ملحوظ بمتوسط الإيجار في 6 مدن أميركية على الأقل منذ الصيف الماضي، كما أفادت بذلك بيانات شركة «زيلو» العقارية.
غير أن السبب الرئيسي في هذا الانخفاض يرجع بالأساس إلى خفض أسعار الإيجارات الراقية. أما الناس في المساكن المتواضعة، أي الشقق والوحدات السكنية الأخرى التي يقطنها أبناء الطبقة العاملة، فلا يزالون يسددون القيم الإيجارية المرتفعة من أي وقت مضى.
ومنذ الصيف الماضي، انخفضت أسعار الإيجار لأصحاب أعلى المساكن قيمة في الوقت الذي تزداد فيه القيم الإيجارية ارتفاعا لدى الفقراء من سكان سان فرنسيسكو، وأتلانتا، وناشفيل، وشيكاغو، وفيلادلفيا، ودنفر، وبتسبرغ، وبورتلاند، وواشنطن العاصمة، من بين مدن أخرى. وفي مناطق ومدن كبيرة أخرى؛ بما في ذلك لوس أنجليس، ولاس فيغاس، وهيوستن، وميامي، ارتفعت الإيجارات على الفقراء والأثرياء على حد سواء.
وتمثل الزيادة المستمرة في إيجارات المساكن المتواضعة تحديا لمسؤولي المدينة الذين تعهدوا بتخفيض تكاليف الإسكان لأبناء الطبقة العاملة الذين يعانون فعليا من الارتفاع الباهت للأجور في الاقتصاد الأميركي.
وصرح مسؤولو المدينة بأن الازدهار في بناء المساكن الفاخرة من شأنه أن يسفر عن انخفاض القيمة الإيجارية لأي شخص آخر، على اعتبار أن إنشاء الوحدات السكنية الجديدة للأثرياء سوف يؤدي إلى تخفيف حدة المنافسة على الوحدات العقارية الرخيصة.
واستنادا إلى تلك النظرية، وافقت المدن على إنشاء الآلاف من الوحدات السكنية الفاخرة الجديدة على مدى السنوات القليلة الماضية، على أمل تخفيض الإيجارات المرتفعة التي أدت إلى إدراج أكثر من 20 مليون مستأجر أميركي في قائمة «أصحاب الأعباء الباهظة»، أي الذين ينفقون أكثر من 30 في المائة من الدخل السنوي على بند الإسكان وحده.
ولكن رغم أن بعض المؤيدين لهذه النظرية يقولون إن الأرباح الناجمة قد تؤتي ثمارها بالنسبة إلى مستأجري المساكن الرخيصة، فإن هناك رأيا آخر يقول إن هناك حاجة ماسة إلى فرض مزيد من الإجراءات الحكومية المباشرة للحيلولة دون نزوح السكان الفقراء من المدن أو وقوعهم في براثن التشرد. ولقد دعا أنصار الرأي الأخير الحكومة الفيدرالية إلى المساعدة في بناء مزيد من الوحدات السكنية ذات الأسعار المعقولة، أو تقديم مزيد من الإعانات الإيجارية للعائلات الفقيرة.
تقول ديان يانتيل، المديرة التنفيذية في «الائتلاف الوطني للإسكان منخفض الدخل»، وهو من المنظمات الحقوقية الأميركية: «أنشأت الشركات العقارية الهادفة للربح كثيرا من المشروعات الفاخرة والراقية في بعض المدن الأميركية. ويعتقد بعض صناع القرار أن ذلك قد يعود بالنفع في نهاية المطاف على المواطنين من أصحاب الدخل المنخفض، ولكن من الواضح أن تلك السياسة لن تلبي احتياجاتهم على الإطلاق».
فلقد شهد سكان المدن الأميركية الأكثر فقرا زيادات كبير في الإيجارات على مدى السنوات القليلة الماضية. ففي مدينة بورتلاند، ارتفع متوسط القيمة الإيجارية للفقراء من نحو 1100 إلى 1600 دولار – أو بنسبة تزيد على 40 في المائة – منذ عام 2011.
وفي سان فرنسيسكو، ارتفع متوسط الإيجار السكني، في الجزء الأدنى من المدينة، من 1700 إلى 2600 دولار، بنسبة زيادة بلغت 50 في المائة تقريبا. وفي سياتل، على الساحل الغربي من البلاد، ارتفعت قيمة الإيجارات بنسبة بلغت نحو 40 في المائة حتى الآن. وعلى الصعيد الوطني، ارتفعت القيمة الإيجارية للفقراء بنحو 18 في المائة إجمالا.
ويهدد ارتفاع الإيجارات على الفقراء بزيادة نسبة المواطنين الذي بلا مأوى ولا سكن، ويضيف عبئا ثقيلا جديدا على كاهل عشرات الملايين من الأسر في البلاد، الأمر الذي يجبرهم في كثير من الأحيان على التخلي عن تغطية الاحتياجات الأساسية تفاديا لفقدان المسكن.
وبلغت الإنشاءات الإسكانية حد الجمود في أغلب المدن الأميركية خلال فترة الركود الكبير، في خضم انهيار كبير في سوق الإسكان الوطني. ومع بدء انطلاق التعافي الاقتصادي في الولايات المتحدة، تركزت مكاسب القطاع العقاري بشكل غير متناسب في عدد محدود من المدن، مما أجبر المستأجرين على النزوح فرادى وجماعات إلى المناطق الحضرية المكتظة فعليا بالسكان.
ولم تكن هناك وحدات سكنية كافية لاستقبالهم. وفي أوائل عام 2010، أخذت الإيجارات في المدن الكبرى في الارتفاع بأكثر من 10 في المائة على أساس سنوي. وأعلنت كثير من المدن حالة الطوارئ بسبب ارتفاع معدلات المواطنين المشردين فيها.
وخلال السنوات التالية، نشبت المعارك المطولة في مجالس المدن في كل أرجاء البلاد حول حجم وتكوين المجتمعات الحضرية، الأمر الذي أثار أصحاب المنازل منذ فترات طويلة الذين يحاولون الحفاظ على أملاكهم في مواجهة شركات التطوير العقاري التي تسعى جاهدة إلى الاستفادة القصوى من ارتفاع الطلب.
وعلق حكام المدن ورؤساء البلديات في مرمى النيران؛ إذ كانوا يهدفون إلى استيعاب التدفقات السكانية الجديدة التي تساعد في تعزيز الاقتصاد المحلي من دون الوقوع في محذور تشريد سكان المدن المقيمين فيها منذ عقود. كما واجهوا الضغوط الشديدة من الشركات العقارية ومجموعات الأعمال صاحبة النفوذ التي مارست الضغوط الكبيرة بهدف إتاحة إمكانية بناء المنازل الجديدة، وكذلك من أصحاب الأملاك الذين يستفيدون من ارتفاع القيم الإيجارية ويخشون في الوقت نفسه من تخفيض تلك القيم على أملاكهم.
وكانت النتيجة مجموعة من التدابير السياسية الجديدة، بما في ذلك إصلاح قوانين تقسيم المناطق بهدف تشجيع مزيد من التطوير العقاري، وإنشاء أدوات جديدة لتمويل مشروعات الإسكان الميسور، وصياغة القواعد الجديدة التي تفرض على شركات التطوير العقاري وضع الوحدات السكنية ذات الأسعار المعقولة ضمن خططهم العقارية.
وأسفرت هذه التدابير عن درجة من درجات تخفيض القيم الإيجارية، على الأثرياء، وإلى حد ما، على أبناء الطبقة الوسطى.
وبالنسبة للمستأجرين من الثلث الأوسط لتوزيع الدخل، ظل متوسط أسعار الإيجار من دون تغيير تقريبا منذ الصيف الماضي، وفقا لبيانات شركة «زيلو» العقارية. كما انخفضت الإيجارات خلال العام الماضي بصورة ضئيلة بالنسبة للطبقة المتوسطة من المستأجرين في كل من بورتلاند، وشيكاغو، وفيلادلفيا، وسياتل.
من شأن النقص في المساكن ذات الأسعار المعقولة أن يكون واضحا بصورة خاصة في المدن الصغيرة مثل بورتلاند، التي كافحت كثيرا لاستيعاب نحو 40 ألفا من السكان الجدد منذ عام 2010.
ومن عام 2010 إلى عام 2014، أنشأت المدينة بضع مئات من الوحدات السكنية ذات الأسعار المعقولة، وفقا لتقرير مجلس المدينة منذ عام 2014، وكانت أكثر من 95 في المائة من أعمال البناء الخاصة في المدينة تقع ضمن فئة المساكن الفاخرة، كما قال نيك فيش مفوض مدينة بورتلاند.
وانفجرت فقاعة بناء المساكن الخاصة الفاخرة في منطقة وسط مدينة بورتلاند، إلى جانب الواجهة البحرية الجنوبية وأحياء الأفارقة في شمال المدينة. وحتى مع تضخم أعداد سكان المدينة، انخفضت عدد سكانها من المواطنين الأفارقة منذ عام 2014 بمعدل متوسط بلغ 800 مواطن كل عام، وربما نجم ذلك عن رفع المستوى الاجتماعي، وفقا لدراسة أعدها باحثون في جامعة ولاية بورتلاند.
وفي رسالة وصلت بالبريد الإلكتروني، أشار تيد ويلر عمدة بورتلاند (الديمقراطي) إلى 948 وحدة سكنية مؤجرة بأسعار معقولة من المتوقع افتتاحها في العام الحالي، بالإضافة إلى 978 وحدة أخرى من المقرر انتهاء العمل فيها بحلول العام المقبل، وقال: «إننا نعمل بنشاط على تقديم الخيارات السكنية المتنوعة لكل مستوى من مستويات الدخل في كل منطقة من مناطق المدينة»، وأضاف قائلا أيضا: «هناك 10 آلاف وحدة سكنية على طريق البناء. ولقد بدأت جهودنا المبذولة تؤتي ثمارها؛ فهذا سوف يكون أكبر عدد من الوحدات السكنية الميسورة التي تبنيها مدينة بورتلاند في عام واحد في تاريخها الحديث».
ولكن بالنسبة إلى المواطنة راخليا ليفتسكايا، البالغة من العمر 66 عاما، والتي تعمل مساعدة لكبار السن والمعاقين، فهي ترى أن المساعدات المقدمة قليلة للغاية. وهي مهاجرة من أوكرانيا وظلت تعيش في التجمع السكني نفسه في بورتلاند منذ 18 عاما، وكانت قد تسلمت إخطارا بزيادة القيمة الإيجارية بنسبة 10 في المائة خلال الصيف الحالي، وهي تخشى أن يؤدي ذلك الأمر إلى طردها من مسكنها وتشريدها في الشوارع، وتقول عن ذلك: «أخشى أن ينتهي بي الأمر للحياة في الشوارع من دون مأوى، إن ذلك الأمر يسبب لي قلقا كبيرا».

إقرأ أيضاً ...