كارين كنايسل... وزيرة «مستعربة» تدافع عن نهج اليمين النمسوي ضد اللاجئين

علاقتها بموسكو تثير حفيظة خصومها داخل البلاد وخارجها
السبت - 14 ذو الحجة 1439 هـ - 25 أغسطس 2018 مـ Issue Number [14515]
برلين: راغدة بهنام

بالكثير من الحميمية والقليل من الدبلوماسية، رقصت وزيرة الخارجية النمساوية كارين كنايسل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حفل زفافها. وتمايلت الوزيرة اليمينية بين ذراعي «سيد الكرملين» أمام عدسات الكاميرات و200 مدعو. ولم تتردد، في اختتام الرقصة التقليدية بالانحناء أمامه انحناءة عميقة وطويلة، في تقليد تؤديه عادة الراقصات في النمسا... متناسية أنها و«شريكها» ليسا مجرد راقصين. فهي وزيرة خارجية دولة في الاتحاد الأوروبي تشغل حالياً رئاسة الاتحاد، أي تمثل أوروبا، وهو رئيس دولة عزلتها أوروبا في السنوات الماضية بسبب «تصرفاتها العدائية» في أوكرانيا بشكل أساسي. وبالتالي، التقطت الكاميرا الانحناءة وترجمتها الصحافة، ومعها، المعارضة السياسية بأنها دليل على «خضوعها» لسياسات موسكو.
الصور التي خرجت أخيراً من حفل زفاف وزيرة الخارجية النمساوية اليمينية كارين كنايسل تسببت في ضجة كبيرة، وانتقادات قاسية، ليس فقط من الأحزاب المعارضة في النمسا، لكن من الصحافة المحلية والأوروبية أيضاً. أما أوكرانيا فقد علّقت فوراً بأن «أي وساطة قد تريد النمسا أن تلعبها، بينها وبين روسيا، قد انتهت قبل أن تبدأ؛ لأنها لم تعد دولة حيادية».
ما زاد من غرابة هذا الزفاف أن كنايسل ليست صديقة مقربة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ذلك أن علاقتها به فتية لا تتعدى الأشهر القليلة منذ تسلمها منصبها نهاية العام الماضي. وزفافها من المفترض أنه خاص وحميم. وهي لم تحوّله إلى «مهرجان سياسي»، ولم تدعُ من الزعماء الأجانب إلا بوتين، كما أن عدد المدعوين لم يتخط المائتين. فما سر هذه الحميمية مع بوتين؟ وما الضرر الذي تسببت فيه؟
الواقع، أن كنايسل لا تنتمي رسمياً إلى أي حزب سياسي، لكن حزب الحرية اليميني المتطرف، الشريك في الائتلاف الحكومي الحالي، هو الذي سماها لمنصب وزيرة الخارجية. قبول كنايسل هذه التسمية بدا للبعض بأنه يتناقض مع شخصيتها وتاريخها، فهي تعتبر نفسها «مستعربة»، تفهم العرب والمسلمين وتعرف تاريخهم جيداً. إذ عاشت الوزيرة طفولتها في الأردن، حيث كان والدها طياراً مع العاهل الراحل الملك حسين، ويقال إنه لعب دوراً بإنشاء الطيران الملكي الأردني. وهي تتحدث العربية بطلاقة، وسبق لها أن حاضرت لفترة في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) في العاصمة اللبنانية بيروت. وهي تقول عن علاقتها بالشرق الأوسط، إنها «لم تكن لتصبح الشخص الذي هي عليه اليوم» لو لم تعش طفولتها هناك. ومن هنا، كان قبلوها تمثيل حزب متطرّف يعادي المسلمين واللاجئين السوريين ويرفض استقبالهم، أمراً مستغرباً عند كثيرين.

طفولة في عمّان
لكن الحقيقة، أن كنايسل، رغم أنها تربّت في الأردن وتنقّلت بين عمّان وبيروت والقدس لسنوات طويلة، وتتحدث العربية بطلاقة من بين لغات أخرى، تحمل أفكاراً قريبة جداً من أفكار اليمين المتطرّف.
وبعد قبولها تولي حقيبة الخارجية في حكومة المستشار النمساوي اليميني سيباستيان كورتز، أجرت معها مجلة «در شبيغل» الألمانية مقابلة في فبراير (شباط) من العام الحالي، وسألتها عن سبب قبولها تمثيل حزب متطرّف. فردّت بأن قرارها لم يكن سهلاً. لكن قلقها وتردّدها، أو تفكيرها الطويل قبل قبول المنصب، لم يكن له علاقة بسياسة الحزب، بل بعملها الذي كانت تؤديها. وأضافت إنها «تحب ما تفعله»، أي الصحافة والتعليم، ولم تكن تريد التغيير.
وعندما سألتها «در شبيغل» عن رأيها بالهجرة، وتقاربها في ذلك من موقف حزب الحرية، قالت «في خريف عام 2015 عندما كان الجميع في أوروبا يتكلّم عن سياسة الترحيب (باللاجئين) عبّرت أنا عن آراء مختلفة، وقلت حينذاك أن انتبهوا لأن الأمر أكثر تعقيداً!». وأضافت تروي، أنها هي شخصياً أوت عائلات سورية لاجئة، وساعدت أفرادها على الانتقال إلى ملجأ. وتابعت تقول «الواقع أن هناك كماً كبيراً من الشبان الغاضبين تركوا بلادهم لعجزهم عن إيجاد وظائف ومن دون أي رؤية لمستقبلهم». وبهذا حذفت كنايسل الهدف الأساسي الذي دفع مئات آلاف السوريين إلى المخاطرة بحياتهم وعبور البحار والغابات للوصول إلى أوروبا طلباً للحماية من نظام يقتلهم ويدمّر منازلهم.
لكن لعل تصريحاتها تلك في عام 2015 كانت مفتاح دخولها إلى الحكومة. إذ اتصل بها حزب الحرية الذي أعجبته أفكارها المعادية للمهاجرين على الرغم من خلفيتها الشرق أوسطية، وطلب منها إلقاء محاضرات. وهكذا بدأت علاقتها بالحزب المتطرّف، ومن ثم توثّقت، لتنتهي بأن يطلب منها تمثيله في الحكومة.

العرب واللاجئون
في مقابلة كنايسل مع «در شبيغل» تفصح الوزيرة النمساوية أكثر من ذلك عن طريقة تفكيرها ورأيها بالعرب واللاجئين. إذ بدأت بأنها تدعو لاستقبال مهاجرين «يحملون الأموال» وليس من هم في حاجة إلى حماية. وقالت عندما سُئلت إذا ما كانت تريد إغلاق حدود النمسا كما فعلت المجر لمنع دخول اللاجئين «بالطبع، أوروبا في حاجة إلى مهاجرين يغطّون النقص في سوق العمل. لكن مهندس برامج كومبيوتر هندياً لن يأتي إلى النمسا؛ لأنه يفضل الذهاب إلى دول تتكلم الإنجليزية. إضافة إلى ذلك، فإن هناك أشخاصاً من الشرق الأوسط أعرفهم يقولون لي إن البيروقراطية والقوانين الزائدة تضيف علينا عبئاً، وتجعل من الصعب نقل أعمالنا إلى دولتكم. إنهم يفضلون الذهاب إلى أماكن أخرى. خذوا مثلاً الملياردير (المكسيكي) كارلوس سليم: إنه من قرية في جنوب لبنان وذهب إلى المكسيك مع عائلته حاملين بضعة أكياس بلاستيكية. بالتأكيد علينا أن نغير شيئاً ما في أوروبا…».
إجابتها هذه تخلط بين اللاجئين والمهاجرين، وهو ما سارع محدّثها الصحافي إلى لفت نظرها إليه، فقال لها «لكننا في الوقت الحالي نتحدث عن لاجئين لا عن مهاجرين يبحثون عن فرص عمل». فكان ردها «النمسا لطالما كانت دولة مرحبة. لكن علينا أن نسأل أنفسنا أي أشخاص نرحب بهم!».
وتابعت «أذكر عندما تم إعلان حالة الطوارئ في بولندا وجدنا في صفنا بالمدرسة فجأة 5 تلاميذ من بولندا أتوا بمفردهم. وصلوا إلى النمسا من دون ذويهم... أعرف أيضاً الأمر نفسه حصل مع أشخاص من تشيكوسلوفاكيا والمجر... حافلات محمّلة بأشخاص من كل الأعمار، كبار السن... أطفال... مرضى... ليس فقط رجال يعانون الكبت الجنسي (!). بل أشخاص من دول مجاورة يشاركونا ثقافتنا!».
وبعدما انتقدت سياسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لقرارها السماح بدخول ما يزيد على مليون لاجئ سوري، أنهت كنايسل حديثها بالإجابة عن سؤال أثار ضجة كبيرة في ألمانيا حول ما إذا كان الإسلام ينتمي للنمسا، فقالت «ليس الإسلام، لكن المسلمين النمساويين هم جزء من النمسا».

سوريا والكيماوي
آراء وزيرة الخارجية النمساوية حول الحرب في سوريا متقاربة أيضاً من الموقف الروسي. إذ كتب فلوريان ماركل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيينا سابقاً ومدير معهد «مينا ووتش» في النمسا، في معرض انتقاده لاختيارها وزيرة للخارجية «بعد أسبوع من الاعتداء الكيماوي المدمّر على ضواحي دمشق، في أغسطس (آب) 2013، أجرت كنايسل مقابلة مع قناة (أو آر أف) تشرح فيها لماذا قرّر (الرئيس الأميركي حينها) أوباما توجيه (تهديد) للنظام السوري. ولم تقتنع كنايسل بأن الاعتداء بالغاز السام الذي وقع ضحيته أكثر من ألف مدني… كان هو السبب». وأضاف أن كنايسل راحت تتحدث «بنظرية بعيدة كل البعد عما حصل، وتقول إن الولايات المتحدة تريد أن تنشط في سوريا لأن هذا سيرفع أسعار النفط وهذا سيفيدها…». وتابع ماركل مستهزئاً برأيها «إذا كان (اعتداء الغوطة) عملية اخترعت لمصالح أميركية… وبهذا التحليل تكون كنايسل قد برّأت الأسد الديكتاتور من أي مسؤولية».
وأضاف ماركل أن وزيرة الخارجية اعتمدت أيضاً موقفاً شبيهاً بعدما رفضت تحميل الأسد مسؤولية اعتداء كيماوي ثانٍ وقع في أبريل (نيسان) 2017، فكتب «نقلت كنايسل في حوار تلفزيوني عن صحافي تركي اسمه كان دوندار عن وجود أدلة تشير إلى أن الاستخبارات التركية هي وراء الاعتداء، وأنها زوّدت (جبهة النصرة) بالأسلحة، وهي التي نفذت الهجوم الكيماوي». وأضاف أن «المثير في رواية كنايسل أن الصحافي دوندار نفسه نفى ما نقل عنه، ووصف الرواية بأنها هراء تام». ورأى الكاتب بأن كنايسل متأثرة بالبروباغندا الروسية - السورية التي تحاول إخفاء الحقيقة.
بطاقة تعريف

- ولدت كارين كنايسل في فيينا عام 1965، وعاشت جزءاً من طفولتها في عمّان، حيث كان والدها يعمل طياراً خاصاً للملك حسين.
- عام 1982 سكنت لفترة لدى عائلة فرنسية أثناء دراستها تساعد في الاهتمام بالأطفال، وكانت تتابع أخبار الحرب اللبنانية بتفاصيلها. ويقال أنها كتبت رسالة للرئيس – آنذاك – أمين الجميل وأنه رد عليها.
- درست القانون واللغة العربية في جامعة فيينا بين عامي 1983 و1987.
- درست العلاقات الدولية في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة وفي الجامعة الأردنية في عمّان.
- حصلت على دكتوراه في شؤون الشرق الأوسط بعدما أجرت أبحاثها في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون بواشنطن.
- تتحدث إلى جانب الألمانية الإنجليزية والفرنسية والعربية والعبرية والإيطالية والإسبانية والمجرية.
- درّست في جامعة القديس يوسف في بيروت، وجامعة فيينا من بين جامعات أخرى، وعلمت صحافية لفترة، وكتبت لعدد من الصحف النمساوية.
- بين عامي 1990 و1998 عملت في مكتب القانون الدولي لمجلس الوزراء النمساوي قبل أن تترك السياسة وتنتقل إلى التعليم والصحافة.
- عادت إلى السياسة عام 2005 عضواً مستقلاً في مجلس بلدية سيبرسدورف.
- بين عامي 2011 و2015 كانت نائباً لرئيس الجمعية النمساوية للدراسات السياسية العسكرية.
- عام 2015 قالت في مقابلة تلفزيونية إن موجة اللجوء التي تشهدها أوروبا أسبابها اقتصادية.
- انتقدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بشدة بسبب سياستها الإيجابية إزاء اللجوء، ووصفت صورها «السيلفي» مع اللاجئين بأنها «إهمال فظيع».
- عام 2016 كان زعيم حزب الحرية اليميني المتطرف هاينز كريستيان شتراخا على وشك أن يسميها مرشحته للرئاسة، لكنه عاد فاختار نوربرت هوفر الذي خسر أمام البيئي اليساري الكسندر فان دير بيلين.
- وجهت انتقادات لاذعة للرئيس النمساوي فان دير بيلين تتعلق بشخصية، ومشككة بذكائه. وانتقدت أيضاً البابا فرنسيس لتشبيهه معسكرات اللجوء بمعسكرات الاعتقال النازية.
- عُينت وزيرة للخارجية النمساوية في ديسمبر (كانون الأول) 2017 بعدما سماها حزب الحرية اليميني المتطرف لتمثله.
- تزوجت أخيراً رجل الأعمال وولفغاغ ميلينغر (54 سنة) في حفل في قرية صغيرة على الحدود مع سلوفينيا.

إقرأ أيضاً ...