بحثاً عن موطئ قدم في «كريملين»... حارة باعة اللحوم الحلال جنوب باريس

الأربعاء - 11 ذو الحجة 1439 هـ - 22 أغسطس 2018 مـ Issue Number [14512]
باريس: «الشرق الأوسط»

على اتساعها، تبدو الجادة الرئيسية التي تخترق ضاحية «كريملين بيسيتر» جنوب باريس، مختنقة بالسيارات خلال الأيام الثلاثة الماضية. أمّا السّوق الشّعبي الذي يقيم بسطاته على أرصفتها نهار الأحد، فكانت أجواؤه توحي إليك بأنّك انتقلت إلى الدار البيضاء أو وهران أو القيروان أو داكار في لحظة سوريالية. لقد حضر العيد قبل الأوان، وتسابقت العائلات المسلمة العربية والأفريقية على شراء لحوم الأضاحي من عشرات محلات الجزارة التي تتركز في هذا الحي الشعبي. وهناك في مناطق أخرى مساحات مخصّصة لمن يفضلون أن يحجزوا الأضحية ويحضرون عملية نحرها وفق الشّريعة.
وعلى الرّغم من الحركة الدؤوب في الجادة الرئيسية، فإنّ الزّحام يبدو أخف مما كان عليه في رمضان الماضي، والسّبب هو أنّ عيد الأضحى وقع، هذا العام، في شهر الإجازة الصيفية للعاملين والطّلاب. وبهذا فقد انتهزت آلاف الأسر المغربية فرصة الإجازة وقامت برحلات بالسيارات إلى ربوع الوطن لقضاء العيد مع الأهل وفي البيت العائلي الكبير. إنّ السّفر بالسيارة، على متاعبه، فإنّه أقل كلفة من سفر أسرة كاملة بالطّائرة. أمّا من أراد اختصار الوقت فإنّ هناك عشرات الرّحلات التي تقوم كل يوم من مطار «أورلي» في باريس إلى الدار البيضاء والرّباط وأغادير وطنجة وجربة وتونس والجزائر ووهران وقسنطينة.
يزيد عدد سكان هذه الضّاحية على 25 ألف شخص، بينهم نسبة غالبة من المهاجرين. وبعد ضاحية «سان دوني» الشّمالية، تأتي «كريملين» كواحدة من أكثر مناطق العاصمة كثافة بالعائلات المسلمة. لذلك فإنّ أجواء المناسبات الإسلامية تبرز فيها بشكل واضح، نظراً لأنّها توفّر كل ما يحتاجونه من مستلزمات وبضائع ومواد غذائية اعتادوا عليها في أوطانهم. ويقصد الضاحية آلاف الزّوار من مناطق باريس الأخرى لشراء ما يحتاجونه من كتب للصّلاة وسجادات ومباخر ومسابح وأباريق للشاي وتوابل وأنواع من الخبز البلدي والأعشاب العطرية والحلويات الشّرقية وقدور لطبخ «الكسكسي» وقفاطين وملابس للملتزمات بالحجاب. لكن الزّحام يتركّز حول دكاكين بيع اللحم الحلال في نهارات السبت، لأنّه اليوم المخصص للذبائح، بينما تغلق تلك الدكاكين أبوابها يوم الاثنين. وهناك جزارون تخصّصوا في شواء لحوم الطّيور والدّجاج وبيعها جاهزة للزّبائن، بالإضافة إلى أجزاء من الخروف كالرأس والفخذ والكراعين.
تبدأ طقوس العيد بزيارة الرّاحلين والترحم على الأموات الرّاقدين في زوايا معينة مخصّصة للمسلمين في المقابر الكبرى. وإذا كان مسجد باريس الكبير يجمع آلافاً من المصلّين صبيحة العيد، فإنّ في العاصمة وضواحيها عشرات المساجد المتوسطة والصغيرة التي تستقبل مسلمي فرنسا، وهم خليط متنوع من أصول عربية وأفريقية وأمازيغية وتركية وباكستانية وفارسية وكردية. وعادة ما تواكب الإذاعات المحلية التي تبثّ برامجها بالعربية والفرنسية من باريس، أجواء الفرح وتنقل صلاة العيد وخطبته من الحرم المكي الشّريف، كما هي عادة «إذاعة الشّرق»، كما تمنح الفرصة للمستمعين لتبادل التهاني وتوجيه عبارات الشّوق لأهاليهم حيثما كانوا. وتوفر القنوات الفضائية ببرامجها ونشراتها فرصة للمغترب لكي يشعر بأنّه على الموجة ذاتها مع أحبابه وأهله في الوطن.
رأت ضاحية «كريملين بيسيتر» النور قبل نحو من 120 سنة. ولأنّ بلديتها ظلّت تدار لسنوات طويلة سابقة من عمدة منتخب ينتمي للحزب الشيوعي، فإنّ كثيرين يتصورون أنّ الضّاحية أخذت اسمها من المبنى الشهير الذي كان مقر القيادة السوفياتية في موسكو. لكنّ الحقيقة هي أنّ الاسم يعود لفندق «سرجنت الكريملين» الذي كان موجوداً في الضاحية. وقد اختار له صاحبه تلك التسمية إحياء لذكرى الحملة الفرنسية على روسيا بقيادة الإمبراطور نابليون، سنة 1812. أمّا كلمة «بيسيتر» المرفقة بالاسم فهي مفردة فرنسية قديمة استخدمها الكاتب الشهير موليير في مسرحيته «المغفل»، وقد جرى تحويرها من اسم قصر تاريخي في الضاحية يحمل اسماً إنجليزياً هو «ونتشستر»، والفرنسيون ينطقونه «فنسستير».
لا تقتصر مراكز تجمع المهاجرين العرب والأفارقة المسلمين على هذه الضاحية. فهناك تجمعات غيرها مثل حي «باربيس» في باريس، و«مونتروي» في شرق العاصمة، لكنّ زائر «كريملين» يجد فيها مساحة فسيحة للتّسوق وقضاء وقت لطيف، خصوصاً بعد تدشين مجمع «أوكابي» التجاري فيها، ذي الطّوابق الثّلاثة التي تنتشر فيها المقاهي ومطاعم الوجبات السريعة. وبهذا يمكن القول إنّ أجواء الضّاحية تعكس مهرجان العيد في كثير من مواسم السنة، لاتّساع شوارعها وانتشار محلات بيع ثياب العرائس فيها ومستلزمات البيت العربي، عدا عن مطاعم الكباب التركية والحلويات الشّرقية والحلاقين المتخصّصين في قص الشّعر وتشذيب اللحى بأسعار لا تضاهى. لكنّ «كريملين» التي تجد على بسطاتها مختلف التسجيلات الدينية والأسطوانات الموسيقية والأفلام العربية، تبقى تفتقر إلى مكتبة للمطبوعات والمجلات بلغة الضّاد. ولعل اندماج الكثيرين من أبناء الجيل الثالث من المهاجرين في البيئة الفرنسية صرفهم عن تعلم العربية الفصحى، رغم أنّ غالبية هؤلاء ما زالت تتفاهم باللهجات الدارجة فيما بينها داخل الأسرة، ومنهم من يفهم اللهجتين المصرية والسورية بفضل الأفلام والمسلسلات التي تعرض على الشّاشات في البيوت عبر الصحون اللاقطة. وإذا كانت بلديات أحياء باريس تمنع نصب تلك الصحون فوق السّطوح بشكل يشوه جمال المباني التاريخية، فإنّ الضّواحي لا تلتزم بهذه التعليمات بل يعرف السّائح أنّه دخل منطقة عربية حالما يرى الأطباق اللاقطة تطلّ من جميع الشّرفات.
«كريملين ضاحية مزهرة». هذا هو شعار البلدية التي تنثر أواني الأزهار الطبيعية في مفارق الشّوارع وتعلّقها على أعمدة النور. وهي في العيد تبدو أكثر تفتّحاً مع اعتدال الطّقس في هذا الموسم من نهايات الصّيف الأوروبي الذي كان ساخناً بشكل استثنائي العام الحالي.

إقرأ أيضاً ...