ويل للفنان عندما يفشل

ويل للفنان عندما يفشل

الثلاثاء - 10 ذو الحجة 1439 هـ - 21 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14511]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
تميزت بريطانيا عبر تاريخها الطويل بأدب الفكاهة والكوميديا. الكثير من أعمال شكسبير يقوم على ذلك. وجاء برناردشو في العصر الحديث ليقف على كتفيه - كما قال. وكعاشق للكوميديا تعلقت حال وصولي لبريطانيا بالكوميديين الإنجليز المعاصرين. كان ممن عاصرتهم توني هانكوك وكين دود وسبايك مليغن ونورمان وزدم وشارلي تشابلن. احتل بعضهم شاشة السينما كشارلي تشابلن، وبرز على شاشة التلفزيون نورمان وزدم. وبرز في دنيا الراديو توني هانكوك. تعلقت به كثيراً لمجرد تشاركنا اللغوي، فكان يتكلم باللهجة الإنجليزية الفصيحة التي يسهل عليَّ فهمها.
كانت مأساته التي أدت به للانتحار طموحه للارتقاء بفنه إلى المستوى العالمي. وكان يشير مراراً لشارلي تشابلن، وأن يصبح مثله. ولكنه كان في الواقع يمثل نوعاً إنجليزياً خاصاً من الفكاهة لا يتذوقه أحد كما يتذوقه الإنجليز. كان شارلي تشابلن يعتمد على التمثيل والتعبير في الوجه والحركات مما يمكن لجميع العالم أن يفهمه، في حين كان هانكوك يعتمد على الحوار اللغوي مما يضيع في الترجمة، وينحصر في مواضيع إنجليزية صرفة.
وفي سعيه للعالمية، مثَّل هانكوك في فيلمين أو ثلاثة، وكانت فاشلة. وأمام هذا الفشل تحول للتلفزيون والراديو وقدم سلسلة أثبتت نجاحاً فائقاً، ولكن هنا أيضاً ضمن المحيط الإنجليزي.
من أشهر الحلقات التلفزيونية التي قدمها، حلقة «المتبرع بالدم». وقد مثلت فكاهته خير تمثيل. في هذه الحلقة يقرأ شيئاً عن التبرع بالدم في المستشفيات وأهميته لإنقاذ المرضى فيقرر التبرع بدمه. يذهب إلى بنك الدم ليساهم فيه فيرتاع عندما يكتشف أن المطلوب لتر كامل فيهرب من العيادة. ولكنهم يمسكون به ويخزونه بما لا يترك مجالاً له غير أن يتبرع بهذا اللتر. وتبدأ المهزلة.
كل يوم يفتح التليفون على المستشفى ويسألهم عن اللتر، هل استعملوه أم بعد. وهل يحافظون عليه محافظة جيدة في مكان أمين. ويؤكد عليهم ألا يعطوا هذا اللتر إلا لمن يستحقه من أناس شرفاء وطنيين. يضيق الأطباء به وبملاحقاته. إنهم يعطون الدم لكل من يحتاجه، ولا شأن لهم بصفاته ومكانته. ولكن هذا الكلام لا يعجبه فيثور عليهم. دمه دم غال ويجب ألا يعطى إلا لمن هو أهل له.
وأخيراً يسقط من السلم وتكسر رجله. ينقلونه للمستشفى ويجرون عليه عملية جراحية تستنزف الكثير من دمه. يضطرون لنقل دم إليه. يبحثون عما يطابقه. تجري الممرضة من ثلاجة إلى ثلاجة بحثاً عن دم يناسبه. تعثر في الأخير عن ذلك. تقرأ البطاقة على القنينة وإذا به الدم نفسه الذي تبرع به قبل أسابيع!
هذا هو النمط الذي كان يمثل فكاهة توني هانكوك. وهو النمط الذي يمثل روح الفكاهة الإنجليزية. ولكن هذا الممثل الذي بعث الضحك والمتعة في قلوب الملايين لم يحقق له طموحه. ويا ويل للفنان عندما يشعر بالفشل. راح ينفس عن شجونه بالإساءة لأهله وأصحابه. طلق زوجته وتزوج وهجر الثانية وأصبح مدمناً. وأخيراً لم يجد غير الهروب من الحياة بالانتحار.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة