مهن في عباءة الإبداع

كتّاب وفنانون مصريون يرون أنها عمقت تجاربهم

سلوى بكر  -  عادل السيوي
سلوى بكر - عادل السيوي
TT

مهن في عباءة الإبداع

سلوى بكر  -  عادل السيوي
سلوى بكر - عادل السيوي

غالباً ما تكون مهن الكتاب ذات انعكاسات سلبية على كتاباتهم، وبخاصة في بلداننا العربية، حيث التفرغ نادر، واعتماد الكاتب على مبيعات كتبه شبه معدوم؛ مما يضطره إلى العمل في مهن أخرى، قد تتناقض تماماً مع شخصيته واهتماماته الأساسية، فتستنزف طاقته، وتستهلك كثيراً من وقته، المفروض أن يكرّس لنتاجه وإبداعه. من ناحية أخرى. لكن هناك من يرى أن مهنته قد انعكست إيجابياً على كتاباته، وشكلت مصدراً مهماً في رفد تجربته على شتى المستويات:
هنا آراء كتّاب وروائيين وتشكيليين مصريين حول معادلة العمل والإبداع:
- الكاتبة سلوى بكر: وزارة التموين... والصحافة
تخرجت في كلية التجارة جامعة عين شمس عام 1972، وتم تعيني في وزارة التموين مفتشةً، في تلك السنوات كانت الدولة هي التي تقوم بتعيين الخريجين الجدد. وأتاحت لي هذه المهنة فرصة عظيمة للتعرف على القاع الاجتماعي والحياة المجردة للشارع المصري كما هي موجودة بالفعل. عملت نحو 6 سنوات التقيت فيها نماذج إنسانية متباينة، وتعرفت على آليات القهر الاجتماعي المقننة، التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها من الأمور الطبيعية أو من قبيل البديهيات. وعشت لحظات تاريخية في أثناء عملي هذا، فرأيت على سبيل المثال بأم عيني كيف بدأت ثورة الجوع في مصر (مظاهرات الخبز) عام 1977.
كانت أوقاتاً عصيبة؛ لأن الثورة بدأت بالفعل عندما توجه الفقراء إلى مكاتب التموين الحكومية للتساؤل عن أسباب رفع الأسعار المفاجئ للسلع الغذائية الأساسية، وما يطلق عليها السلع الاستراتيجية، مثل الخبز والأرز وما شابه. هذه الفترة من عملي كانت مؤثرة في إنتاجي الأدبي فكتبت قصة بعنوان «أم شحته»، وكذلك قصة «امرأة على العشب»، كما أن الكثير من خيوط عوالم روايتي «العربة الذهبية لا تصعد للسماء» مستمدة مما لمسته وعشته عن قرب في تلك الأثناء. على مستوى آخر من المهن، عملت صحافيةً في صحيفة لبنانية، فانتقلت على أثرها إلى بيروت. وأتاح لي هذا العمل، الذي كان خلال فترة احتدام الصراع العربي – الإسرائيلي، والعدوان الصهيوني على أشده في لبنان، إنتاج مجموعة من القصص والكتابات عن نماذج إنسانية ولحظات فارقة تتعلق بهذا الزمن الذي لم أعش مثله من قبل كقصة «ابن خمسين يوم» و«عباس أجوسك». إن المناخات التي يحيا على متنها المبدع مؤثرة في تركيبته الإبداعية، وتعد بمثابة مصادر خام حية ترفد تجربته على شتى المستويات؛ فقد تأثر مناخ كتابتي بعوالم المهن التي اشتغلت بها، وربما أيضاً يتضح ذلك في رواية «ليل ونهار»، وهي رواية عن علاقة بين صحافية شابة ورجل ثري، وكنت متأثرة في ذلك بأجواء العمل الصحافي الذي عشته في بيروت وقبرص وتونس.
تأثير هذه التجارب لم يقتصر على المستوى النفسي أو الإدراكي، بل على المستويات التقنية والأدوات كاللغة، فعندما تخالط جماعات إنسانية في مستويات اجتماعية وثقافية متباينة، فهذا دون شك سيؤثر على المنظومة اللغوية داخلك، فربما عملي مفتشة تموين ومخالطتي الطبقات الشعبية كان وراء حرصي على استنطاق كل شخصية من شخصيات أعمالي القصصية أو الروائية بلغتها، وتفعيل قاموسها اللغوي الخاص بها، وتعلمت أيضاً من خلال المعايشة أن أنتبه إلى بلاغة الذين يبدون للوهلة الأولى وكأن لغتهم تفتقر إلى البلاغة، حيث اكتشفت أن الناس تتحدث بما أسميه بـ«فصيح العامية».
- الفنان عادل السيوي: الطب والرسم
بدأت علاقتي بالمهنة منذ تخرجي في كلية الطب جامعة القاهرة سنة 1970، لكنني لم أجرب أبداً الإحساس المكتمل بكوني طبيباً. في بداية الدراسة كنت متفوقاً، وعندما بدأت الشكوك تساورني حول علاقتي بهذه المهنة انعكس ذلك على تحصيلي وحماسي، لكنني تخرجت رغم ذلك بتقدير جيد جداً.
الطب مهنة ساحرة بالفعل ومدهشة بقدر غموض وغرابة حضورنا الجسدي الحي داخل هذا الكون المصمت، حيث إن اكتشاف الجسد بوصفة آلة بيولوجية، ثم التعرف على الوظائف، ثم مناطق الخلل وطرق تشخيصها وصولاً إلى الحلول الممكنة. إنها رحلة بديعة من التأمل والذكاء، والخبرة، والحدس، ومن التعاطف والتضامن أيضاً بين الأحياء إلى جانب الكثير من الأرقام والتحاليل وخلافه. ثم، درست وأنا طالب طب بالقسم الحر في بكلية الفنون الجميلة عامين متواليين، وكان لذلك دلالة على أن علاقتي بالرسم قد تجاوزت حدود الولع. لكن الفترة التي يمكن أن أقول إنها قد تركت بصمة كبيرة على روحي من جراء المهنة هي السنة وبضعة الأشهر التي قضيتها بمستشفى العباسية للأمراض النفسية والعقلية طبيباً نفسياً، والتي قررت بعدها السفر إلى إيطاليا وقطع علاقتي بالطب تماماً، حيث أدركت في تلك الفترة القصيرة مدى هشاشة العقل وقابلية الروح للانشطار، بل التفتت، وفهمت قوة الجنون وقدرته الفذة على خلق منطق صلب لا يقبل القسمة على اثنين. وما بين ترك الطب واحتراف الفن عبرت بفترة انتقالية طويلة عملت خلالها مترجماً، وهي المهنة التي أدخلتني إلى علاقة مغايرة باللغة، والنصوص، وقادتني بعد ذلك للانتقال إلى الترجمة اختياراً حراً، لا يكلفني بها أحد، أترجم نصوصاً أحبها كنظرية التصوير لليوناردو دافنشي، أو الأشعار الكاملة للشاعر الإيطالي أونجاريتي. مهنة الترجمة لها أفضال كبيرة عليّ؛ فقد مكنتني من تجاوز تلك المرحلة الانتقالية دون معاناة كبيرة، وبخاصة أني كنت مقيماً في ميلانو، وهي مدينة تتطلب الإقامة فيها تكاليف باهظة، كنت أحلم بأن أقضي حياتي رساماً، وأن أضع أشكالاً وخطوطاً وألواناً فوق الأسطح، وأن تكون هذه المهمة هي حياتي وطريقة وجودي في العالم، الرسم ليس مهنتي رغم احترامي لاستحقاقات الاحتراف كاملة، لكن الرسم كان طريقتي في الوجود.
- الشاعر فؤاد حجاج: الغزل والنسيج... والشعر
لا بد من التفريق بين المهنة أو الصنعة التي تكفل لصاحبها لقمة العيش والحياة الكريمة، والإبداع الذي لا حدود له ولا جدران. فقد عملت في بداية رحلتي مراقباً للإنتاج بإحدى شركات الغزل والنسيج قبل بيع القطاع العام. ولأنني ممسوس بالإبداع الأدبي كنت مسؤولاً ثقافياً بمنظمة الشباب فاقترحت عمل مجلة حائط في مدخل الشركة ليراها العمال في دخول وخروج الورديات، ولتكون بداية لخلق حالة من الرغبة في القراءة والاضطلاع، ونجحت في جذب الاهتمام والمتابعة، واكتشفت الكثير من المواهب بين العمال، كما قمت بإيجاد نشاط ثقافي ملموس بنادي الشركة. وكانت محطة أخرى في رحلتي، حيث توليت منصبي الجديد أميناً لمكتبة النادي، وكانت فرصتي الذهبية لكي أقرأ يومياً لمدة 8 ساعات كاملة. قرأت الأعمال الكاملة لعشرات الكتاب في مصر والعالم، وكنت مولعاً بويليام شكسبير، وقرأت الـ36 مسرحية بواقع مسرحية كل يوم، كما قرأت أعمال نجيب محفوظ كاملة منذ البداية الفرعونية الباكرة. انتقلت بعد ذلك لمسؤولية ثقافية أكثر اتساعاً، حيث أصبحت المسؤول الثقافي لقطاع شبرا الخيمة باتساعها، فأتيحت لي فرصة العمل المباشر مع 11 مركز شباب لأكتشف الكثير من المواهب، وتزامن هذا مع دراستي الإعلام في الدفعة الأولى بالجامعة العمالية لكي أتولى صفحة الأدب فيما بعد في جريدة «العمال» الأسبوعية.
كل تلك المحطات تركت أثراً في شعري، وعمّقت إحساسي بالمسؤولية تجاه قضايا وطني؛ ما انعكس جلياً في الكتابة للإذاعة والتلفزيون، وفي الكثير من البرامج الشعرية التي أعتز بها، وقمت بإعدادها وكتابة مادتها مثل «أوراق من شجرة أكتوبر»، الذي أذيع على القناة الأولي بالتلفزيون المصري في أواخر الثمانينات في 30 حلقة بشكل يومي بصوتي وصوت سيدة المسرح الفنانة سميحة أيوب.
- الروائي حمدي البطران: البوليس... والكتابة
إن المهنة الأولى أو المهن تعد ركناً أساسياً في الوعي الفكري لأي كاتب، ففيها تنحصر تجاربه الأولى مع المجتمع والناس، وتنعكس سلباً أو إيجاباً على أدبه وكتاباته. من خلال المهنة يرى الكاتب المجتمع الذي يتعامل معه، وتتبلور فكرته وأفكاره وتجاربه من خلال تلك الوظيفة؛ فهو يرى العالم حوله بعيون وظيفته.
كانت مهنتي الأولى ضابطاً في البوليس، وأتاح لي هذا أن أتعمق في المجتمع من خلال طبقاته ومآسيه، كما أتاح لي موقعي أن أرى الوطن في حالاته المختلفة؛ فالشرطة هي انعكاس كامل لحالة المجتمع، فكانت كتاباتي تعالج هذا الجانب المتروك من المجتمع الذي لم يتحدث عنه أحد.
كتبت على أثر ذلك رواية «يوميات ضابط في الأرياف» و«كل شيء هادئ في الجنوب» و«خريف الجنرال»، وهي أعمال تبحث وتفتش في هذا العالم الغريب.
لكن هناك تجاهلاً تاماً لما أكتبه أنا وأمثالي لاعتبارات كثيرة، منها أن هناك من يغار من مهنتنا السابقة ويراها سبباً لكراهيتنا، وعدم التعامل مع ما نكتبه بالجدية المطلوبة، وهناك من يرى أننا نحاول أن نكون أدباء من أجل نوع من الوجاهة، لكن الأمر لم يكن إلا رغبة عارمة في أن نقول كلمة صادقة للناس، من واقع ما عشناها ولمسناه عن قرب، عبر هذه المهن السابقة.



حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.


«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.